تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يؤدي فقدان الهوية والتوحد مع النفس حرصا على انقسامها إلى أشكال عديدة من الاغتراب؛ أهمها الاغتراب الديني والاغتراب السياسي. يظهر الاغتراب الديني في علم العقائد وفي التصوف؛ إذ تقوم العقائد على قسمة العالم قسمين: الأعلى والأدنى، الخالق والمخلوق، الأبدي والزمني، الخالد والفاني ... الأول تستريح إليه النفس، والثاني تشقى فيه. الأول بيده كل شيء؛ العلم والفعل؛ يرسل العلم ويوجه الفعل، والثاني يتلقى العلم، ويحقق الفعل. وفي الأغلب تتحقق الهوية خارج العالم، في عالم مفارق، عالم علوي يتجاوز هذا العالم، يسميه اللاهوتيون والصوفية «الله». وهو عند المتكلمين نظرية في الذات والصفات والأفعال والأسماء، وتعني إخراج الكمال من داخل الإنسان إلى خارجه، وتفريغه من المثل العليا، ثم تشخيصها وتقديسها وعبادتها. فصفات الذات الست: الوجود، والقدم، والبقاء، ولا مكان، ولا صورة له، وواحد؛ هي صفات الحبيب، ما تعشقه النفس، وجود الحبيب وأنه يعرفه من قديم الزمان، وباق إلى الأبد، خالد لا يموت، لا مكان له، وإلا وقعنا في التجسيم، بل في كل مكان، ولا صورة له، وإلا وقعنا في التشبيه، وواحد ليس كمثله شيء، فرد لا مثيل له. أما الصفات فهي سبع، هي أيضا المثل التي تعشقها الذات وتحب أن تكونها أو أن يعاملها الآخرون بها: العلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة. فالإنسان يود أن يكون عالما ولكنه لا يستطيع؛ فيتحول العلم إلى مثل أعلى ولا يتنازل عنه، ولما كان صعب التحقيق، فإنه يعظمه ويبجله ويقدسه؛ فيتحول إلى صفة للإله أو إلى الإله. وكذلك يتم نفس الشيء للقدرة؛ يريد الإنسان أن يكون قادرا ولكنه لا يستطيع، ولا يتخلى عن القدرة كمثل أعلى؛ فتتحول إلى صفة إلهية للإله. ويتم نفس الشيء بالنسبة إلى الحياة؛ يريد الإنسان أن يكون حيا ولكنه يموت، ولا يستطيع أن يتخلى عن الحياة كهدف أسمى؛ يقدسها ويحولها إلى صفة إلهية. ويتم نفس الشيء بالنسبة إلى السمع والبصر والكلام والإرادة؛ يريد الإنسان أن يكون سليما في إدراكه، ولكنه لا يستطيع لقصوره الجسمي، فيحولها إلى آمال لديه كي تتحقق، فإذا لم تتحقق يحولها إلى مثل عليا للوعي الإنساني ويقدسها بل ويؤلهها. أما الأسماء التسعة والتسعون فإنها أيضا تمثل آمال الإنسان في الرحمة والقوة والعظمة. تكشف في مجموعها عن وعي الإنسان بذاته الذي تحول إلى الله كوعي ذاتي؛ وعي الإنسان بالعالم أو بالطبيعة، وإلى وعي الإنسان بنفسه.

6

وقد يكون منها بعض المعاني السلبية؛ مثل: المتكبر، والجبار، والقهار.

والبعض الآخر يوحي بالعقل النظري والعقل العملي ونقد ملكة الحكم لكانط. وقد حاول فيورباخ القضاء على هذا الاغتراب بتحويل الثيولوجيا إلى أنثروبولوجيا، والعودة بصفات الله إلى صفات الإنسان.

7

فيثق الإنسان بنفسه ويسترد شجاعته، ويتخلى عن عجزه، ويحقق ما يحلم به، ويصبح ما ينبغي أن يكون لا ما هو كائن. لا يستطيع استرداد هويته كاملة ومرة واحدة، يحتاج إلى وقت وجهد زائدين، فالهوية إمكانية لا واقع، وبدلا من أن تضيع الطاقة في العبادة، أي: في الفعل الرمزي، تنفق في تحقيق الفعل في اللاهوت. العالم عالمان، واحد سالب هو هذا العالم، وآخر موجب هو الله. ويعوض حصول الثاني خسارة الأول؛ نظرا إلى العجز عن التعامل معه أو الهروب منه، أو استصعابه واستسهال الدعاء وموالد للشحاذة؛ كما يقول إقبال.

8

ولما كانت الهوية هي الماهية، فإن الوجود يسبق الماهية، وليس الحال كما هو عند الفلاسفة المثاليين من أن الماهية تسبق الوجود. ولا تعني الأسبقية في الزمان الأسبقية في الوجود. الماهية تتخلق في الوجود، يصنعها الوجود ثم يحققها بعد أن تكتمل؛ في جدل مستمر بين الوجود والماهية. والوجود يخلق الماهية، والماهية تخلق الوجود، لا توجد ماهية مسبقة على الوجود، باسم النفس أو القدر، فذلك حد من حرية الإنسان، والماهية هي الحرية، والهوية هي تحقيق هذه الماهية كفعل حر.

الهوية · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الهويةص ٩