هل تنشأ الهوية من الثقافة؟ هناك الهوية الإسلامية من الثقافة الإسلامية، وهو ما يربط المسلمين جميعا على اختلاف لغاتهم وأعراقهم وأوطانهم. وتشمل العلوم الإسلامية النقلية والعقلية: الكلام والفلسفة والتصوف والأصول، والعلوم النقلية: القرآن والحديث والتفسير والسيرة والفقه، والعلوم العقلية الرياضية: الحساب والفلك والجبر والهندسة والموسيقى، أو الطبيعية: الطب والصيدلة والمعادن والنبات والحيوان؛ وهي العلوم التي ما زالت تربط جميع أرجاء العالم الإسلامي. وإذا كانت الدولة الإسلامية، مثل الإمبراطورية العثمانية، قد انتهت، فإن الثقافة الإسلامية ما زالت باقية، لها مخطوطاتها وجامعاتها ومعاهدها ومدارسها، وما زال طلبة العلم ينتقلون بين المعاهد الإسلامية الكبرى في الأزهر والقيروان والزيتونة، وما زالت الآثار الإسلامية يتوحد بها الجميع؛ وفي مقدمتها الحمراء في غرناطة ومسجد قرطبة، وخيرالدا إشبيلية، والمسجد الأموي، والجامع الأزهر قديما، وجامع الحسن الثاني بالرباط، وجامع كوالالمبور، وغيرها من المساجد الكبرى حديثا. وتشمل الثقافة العلوم والفنون والآداب، فما يربط المسلمين هو الإسلام؛ باعتبار لغته العربية لغة القرآن والثقافة الإسلامية.
والهوية أيضا مرحلة تاريخية تصف الشعوب بأنها متقدمة أو متخلفة أو في طريق النمو. إذا كانت الهوية ثابتة وأصيلة في الوجود، فإن مرحلة النمو متغيرة؛ من التخلف إلى التقدم مثل الدول الأوروبية، وكما حدث للحضارة الإسلامية في مرحلتها الأولى، منذ النشأة حتى ابن خلدون على مدى سبعة قرون أو من التقدم إلى التخلف، كما حدث في المرحلة الثانية في القرون السبع التالية بعد ابن خلدون؛ عصر الشروح والملخصات، الذي كاد ينتهي بفجر النهضة العربية الحديثة، الذي كان قد بدأ منذ قرنين من الزمان. فالهوية تأتي من المرحلة التاريخية لا من الانتساب الفكري أو الولاء الأيديولوجي. وقد كان العالم الإسلامي يصنف في الدول المتخلفة، والآن يصنف في الدول التي في طريق النمو أو النامية، والقليل منها مثل الدول المتقدمة مثل ماليزيا. فالهوية ليست ثابتة؛ بل متغيرة على الأمد الطويل، هوية تاريخية مثل غيرها من الهويات، هوية مفتوحة لا منغلقة، تقوم على التحدي والمنافسة لا على التعصب والكراهية. وفي الستينيات كان للعالم الثالث هوية واحدة؛ عدم الانحياز؛ الحياد الإيجابي، وهي الآن تعارض العولمة وأشكال الهيمنة الجديدة، وتبحث عن تعاون إقليمي؛ مثل دول جنوب شرق آسيا، ودول أمريكا اللاتينية. عندما أتى الإسلام صنع تاريخا جديدا للعرب ولشبه الجزيرة العربية، بل وللعالم القديم كله، وجعل العرب يرثون إمبراطوريتي الفرس والروم في أقل من قرن حربا شرقا وغربا، وسلما جنوبا في أفريقيا، وشمالا في أوروبا في العصر الحديث.
الهوية إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية والعرقية واللغوية والثقافية. توجد قيم إنسانية عامة، مثل الحرية والعدالة، وافقت عليها الإنسانية على مدار التاريخ، مضمونها من داخلها من الفطرة والطبيعة، بلا حدود، ومع ذلك وجودية أرضية ، يحملها الوجود الإنساني ويحققها في الزمان والمكان؛ إذ تندرج الهويات في الخصوصية والعموم، ليست بالضرورة في خط رأسي بين الأدنى والأعلى، بل يمكن أن يكون في مسار أفقي بين الأمام والخلف. فطالما حاربت الشعوب من أجل الحرية والعدالة منذ سبارتاكوس حتى الربيع العربي، ومنذ المانوية حتى الماركسية. الفطرة واحدة منذ الخلق الأول، والعقل البديهي مغروز في النفس، وهو الذي خاطبه الوحي بقوله:
أفلا تعقلون ،
أفلا تتفكرون ... هذه الهوية الإنسانية هي التي تسمح بتأسيس المنظمات الدولية لحقوق الإنسان والطفل والمرأة، وقد ظهرت هذه الهوية الإنسانية في كل حضارة؛ عند كونفوشيوس في الصين، وبوذا في الهند، وسقراط عند اليونان، والمعري عند العرب، وإراسموس وشكسبير وجوته في الغرب. هي الهوية التي تنبع من الذات؛ من الجوهر، لا من الأعراض الخارجية. هي الهوية التي تصبح فيها الإنسانية هوية واحدة، لا تمييز فيها بين أجناس أو لغات أو ثقافات أو أوطان.