تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن ما يثير الناس والحركات الإسلامية والعلمانية هو وضع «الدين» في جهاز الدولة عامة وفي «أجهزة الإعلام» عنوان الدولة وصورتها خاصة. فكل دولة ترفع شعار الإسلام، تضع في دستورها أن دين الدولة هو الإسلام بعد معارك عدة تشق فيها الوحدة الوطنية وتعتبرها وسيلة لإضفاء الشرعية على الحكام. كثيرا ما يتسمى الحاكم «أمير المؤمنين» أو «الرئيس المؤمن» طلبا للطاعة وتأكيدا لشرعية الحكم. يؤذن للصلاة في أجهزة الإعلام من خلال الفواصل الموسيقية والبرامج الراقصة. ويحتفل بالموالد النبوية وبأعياد الأولياء، ويعظم القرآن ككتاب محلى بالذهب ومجلد بالقطيفة ومزركش بالفن العربي كتحفة فنية على الموائد والنوافذ والعربات الخاصة. وتبني الدولة المساجد، وتنشئ دور حفظ القرآن، وتقيم الجوائز والمسابقات الدينية، وتحتفل على رأس الطرق الصوفية، وتتشدق بتطبيق الشريعة الإسلامية وبتقنين بنودها. وتركز على الدين كمادة إجبارية في التعليم، وتفرض المواد الدينية على الجامعات بدعوى الإصلاح الجامعي، وتفتح أقسام الدراسات الإسلامية ليس حبا في الإسلام بل لمناهضة الأقسام العلمانية ومقاومة المذاهب الهدامة. وينتسب الحكام إلى بني هاشم أو إلى العلويين أو إلى شريف أو نقيب وكأن النبوة والحكم إرث من السلف إلى الخلف. وتطال الذقون، وتهف السراويل، وتطقطق المسابح، ويفوح البخور، وتباع المساوك، وتغسل الكعبة، وترسل الكسوة حبا في آل البيت أو قدوة للرسول!

| خامسا: خاتمة

مهما نظرنا في الفكر الإسلامي، ومهما بينا الإجراءات العملية التي يمكن اتخاذها لتحقيق أهدافه؛ فإن ذلك كله ينتهي في حقيقة الأمر إلى تكرار أشياء معروفة، قيلت سلفا عشرات المرات في مجلدات ومجلدات دون إضافة جديد. فنظريات الإسلام السياسية والاقتصادية والاجتماعية معروفة، وليس المهم إعادة عرضها، تبرئة للذمة، وتعويضا عن مآسي العصر، بل المهم هو بيان المسافة بينها وبين الواقع، وتغيير هذا الواقع بالفعل حتى يقترب من المثال. وإن تغيير الواقع خطوة واحدة نحو العقلانية أو الطبيعية أو الحرية أو الإنسان أو المساواة أو التقدم؛ لأقرب إلى الإسلام من عشرات النظريات فيها ومئات الآراء حولها.

صحيح أن طريق التغيير من الدعاة، والتنظيمات الشعبية، والمؤسسات التعليمية والثقافية طويل ولكن لا بديل عنه. إنما التغيير الأقصر والأنجع هو التغيير عن طريق السلطة كعامل مساعد. وإن ثورة القيادة لا تقل أهمية عن ثورة الجماهير. ولكن، لما كانت السلطة السياسية تعبيرا عن السلطة الاجتماعية والسلطة الاقتصادية كان السؤال: هل تبغي السلطة السياسية إجراء أي تغيير بالفعل يقوم على مبادئ الإسلام وقيمه، أم أنها ستكون أولى الضحايا؟ وهنا يدور الفكر الإسلامي في حلقة مفرغة بين مبادئه النظرية وتحقيقاته العملية. فأصحاب السلطة هم ضحايا التغيير، وهم الذين بيدهم مقاليد الأمور. فهل يقضي الإنسان على نفسه، ويتخلى السلطان عن سلطانه وصاحب رأس المال عن ماله، والظالم عن ظلمه، والقاهر عن سطوته، والساحر عن سحره، والصوفي عن طريقته، والمترئس عن رئاسته؟ هل يتخلى عن ذلك طوعا عن طريق التوبة والانقلاب الداخلي، أم كراهية عن طريقة ثورة الجماهير عليه، أو إعدادا للناس وعرضا للأمور، وطلبا للتحدي، ومعطيا للبرهان؟ لا مفر من الحوار المفتوح أمام الناس بين أصحاب الحقوق وأدعيائها. ومن ثم لا مناص من حرية الفكر الذي بدونه لا يجهر بحق، ولا يقال صدق، ولماذا الخوف والعيش في ظلام؟ وبماذا تنفع الدنيا؟ أليس المال والبنون زينة الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى؟

يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم [الشعراء: 88-89].

| هل يمكن تحليل «الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي» من منظور إقليمي وفي إطار نظري غربي استشراقي؟

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٩٩