تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1 (2) حرية الفكر

كي يكون للتراث الإسلامي دور في تطور فكر الأمة والدخول في تحديات عصرها؛ فإن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا بحرية الفكر، فالصراعات قبل أن تكون اجتماعية سياسية اقتصادية هي صراعات فكرية بالأساس. وبالتالي يكون الفكر هو مرآة المجتمع، يقرأ فيه كل فرد مكوناته وواقعه. ولا يمكن أن تحدث رؤية أو يتحقق سلوك إلا بحرية الفكر، وإلا كان الصراع همجيا خالصا. وتتحقق حرية الفكر على النحو الآتي: (أ)

ضرورة اجتهادات الأمة كلها بجميع فرقها. فلا أحد يحتكر الحق ودونه الباطل. ثم يحدث حوار مفتوح بين جميع الفرق والاجتهادات؛ حتى يمكن أن تتوحد إن لم يكن على مستوى الأطر النظرية فعلى الأقل على مستوى البرامج العملية، فتعدد النظر ووحدة العمل أحد الدروس الفقهية القديمة. (ب)

عدم دخول الدولة كطرف في الحوار، تناصر فريقا دون فريق، تكفر فريقا وتعلن عن إيمان فريق. الدولة سلطة تنفيذية خالصة أما النظر والتشريع فمن شأن المفكرين أي فقهاء الأمة. (ج)

الحوار بين الحركة الإسلامية والحركة العلمانية، وهما الجناحان الرئيسيان في فكر الأمة. الأول يدافع عن الأصول والثاني يجتهد في الفروع، الأول يحرص على الجذور والثاني يقتطف الثمار. وطالما لم تتوحد الحركتان سيظل الشقاق في الأمة والخصام في وجدانها ويغيب الحوار، ويظهر العنف، والسباق نحو السلطة. (د)

حرية التفكير والتنظيم العلني الشرعي للحركة الإسلامية التي لاقت أشد صنوف العذاب والاضطهاد من الثورة العربية حتى أصبح بينهما ثأر لا يمحوه إلا الدم. فالفكر الإسلامي فكر شرعي، والتنظيم الاجتماعي القانوني للحركة الإسلامية تنظيم تاريخي، لم يغب مرة واحدة، بل إن الحكم الإسلامي حكم شرعي بنص القرآن وبضرورة التاريخ وبعد استيلاء الحركة العلمانية على مقاليد الحكم. (ه)

تكوين الجمعيات الثقافية والسياسية والاجتماعية المستقلة التي تبدأ بالحوار وتطرح جميع الموضوعات دون خوف أو رهبة، حتى ما يظنه الناس على أنه من المقدسات أو المحرمات (التابو) كالدين، والسلطة، والجنس. وطالما قامت النهضات بل ووحدة الأمم من خلال الجمعيات والمنتديات، ويصحب ذلك حرية الاستيراد والتصدير للكتب والمجلات الثقافية على الصعيد العربي والإسلامي. فلا بقاء لنظام يخشى حرية الكلمة. (3) المحافظة على مقاصد الشريعة

ليس الفكر الإسلامي فكرا صوريا يقوم على شعارات لا مضمون وراءها، ولكنه فكر يقوم على تحقيق أهداف إنسانية هي مقاصد الشريعة أي الضروريات الخمس: المحافظة على الحياة، والعقل، والدين، والعرض، والمال بإجماع فقهاء الأمة. فالحياة قيمة مطلقة، والمحافظة عليها واجب ديني، وفرض إلهي، ضد الجوع وسوء التغذية وحوادث الطريق وحروب الإبادة، والاغتيال والاعتقال. وكذلك المحافظة على العقل واجب شرعي، وبالتالي يستحيل الجهل، والتعتيم والكذب والتشويه والتمويه والخداع، فالعقل أساس التكليف. كما يستحيل إيقاع الناس في الأسطورة والغيب والخرافة والسحر والشعوذة. والمحافظة على الدين أيضا فريضة، والدين هنا أي الحقيقة والمبدأ العام الشامل الذي ينتسب إليه الإنسان بعيدا عن العنصرية والقومية والقبلية والطائفية، وبعيدا عن التردد والشك واللاأدرية وتغير القيم تبعا لتغير الظروف، وإيثار النفعية الخالصة والبراجماتية الرخيصة. والمحافظة على العرض تعني المحافظة على جميع القيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية العامة المتمثلة في عرض الإنسان رمز شرفه وكرامته وحرمته. فحرية الإنسان جزء من عرضه، وكرامته وشخصيته المستقلة وحياته الخاصة أيضا من عرضه بعيدا عن مظاهر الانحلال والتفسخ. أما المحافظة على المال فهو دفاع عن حياة الإنسان المادية وحقه في الكسب والرزق، والمأكل والمشرب والمسكن دون عدوان من أحد عليه، ينهب قوته، ويسرق نتاجه، ويبتز عرقه. هذا هو تطبيق الشريعة الإسلامية وليس مظاهر النفاق الديني عن طريق بناء المساجد دون المدارس، والنداء على الصلوات بمكبرات الصوت منافسة للأغاني الإباحية والتفسخ والانحلال ولخطب القادة والسياسيين وكأن كل ما في الأمر هو حرب الهواء، وإطالة اللحى، ولبس الجلباب، وارتداء الحجاب، فما الفائدة في ظاهر عامر والباطن خراب؟ ومما يساعد على ذلك التفسير «الموضوعي» للقرآن من خلال «المعجم المفهرس» لألفاظه حيث يمكن التعرف على النظرية العامة في الحياة أو العقل أو الدين أو المال أو أي موضوع آخر يمس مصالح الناس بدلا من تقطيعه وتجزيئه في التفسير «الطولي» للقرآن، سورة بعد سورة، وآية بعد آية. (4) الإصلاح في الأرض لا الإفساد فيها

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٩٧