زراعة الأرض: فالأرض في القرآن هي الأرض الخضراء التي ينزل عليها الماء فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج، وليست الأرض الصفراء الصحراء القاحلة مثل أراضينا الآن. فالسكن لا يكون إلا حيث الماء والزرع.
4
ومن استصلح أرضا فهي له، فالشيء قيمته فيما يبذل فيه الإنسان من جهد وعمل. والأرض لمن يفلحها في عرف الفقهاء لأن الملكية بمفردها ليست وظيفة أو مهنة دون عمل. والمزارعة والمؤاجرة تحتم الاشتراك في المحصول، أي في نتاج الأرض، فليس الفلاح مجرد أجير زراعي، بل هو مشارك في الإنتاج. (ب)
الصناعة: وتقوم الصناعة على استثمار المواد الأولية من باطن الأرض من خلال العمل وبالجهد الإنساني. وقيمة الإنتاج بمقدار الجهد المبذول دون أن يكون هناك «فائض قيمة» لصاحب رأس المال. وليست الصناعة فقط هي الصناعات الخفيفة مثل الصناعات الزراعية والملابس، بل هي الصناعات الثقيلة التي تقوم على الحديد الذي فيه بأس شديد ومنافع للناس. (ج)
الخدمات: لكل إنسان حق التعليم، وحق الرعاية الصحية، وحق السكن، وحق العمل، فالعلم فريضة، ورعاية الجسد واجب، والإيواء حق طبيعي، والعمل وسيلة الإنتاج. وقد كانت الحضارة الإسلامية نموذجا للعمران، من حيث بناء المدارس والمساكن والمصانع «والبيمارستانات» (المستشفيات). (د)
البيروقراطية والتسلطية وتشخيص المؤسسات كلها ظواهر للتخلف من حيث الإدارة. فالبيروقراطية قضاء على زمام المبادرة، وأخذ القرار، ونزع المسئولية من مواطن الإنتاج. والتسلطية تحكم وادعاء ملك. وتشخص المؤسسات هو تصور الإنسان بدلا من الغاية. والمجتمع الإسلامي يقوم على قضية يلتزم بها الجميع، ويكون مسئولا عنها مع إنكار الذات والسعي وراء تحقيق الهدف. (5) إثبات الهوية ضد الاغتراب
وقضية الهوية ما زالت بالنسبة لنا إحدى قضايانا الرئيسية ضد التغريب، نتفاوت فيها من منطقة إلى منطقة؛ تبعا لشدة الاستعمار وتغلغله في النفوس وما تبقى منه في العقول. برزت قضية الأصالة في مواجهة التحديث والاغتراب المرتبط به بحيث وضعت الأنا ذاتها في مواجهة الآخر. وتتفاوت المجتمعات الإسلامية فيما بينها في حدة المشكلة. فالمجتمعات التي داهمها الاستعمار كانت إحدى وسائل المقاومة فيها إثبات الهوية في مقابل التغاير، والأنا في مواجهة الآخر. ولكن بعد الاستقلال الوطني عاد المستعمر من خلال الثقافة وانتشر التغريب. استقلت البلاد ولكن احتلت الأذهان. وقد ولد الفعل - وهو التوجه نحو الآخر - رد فعل هو الرجوع إلى الأنا، كما هو الحال في الثورة الإسلامية في إيران، والحركة الإسلامية المعاصرة في شتى أنحاء العالم العربي والإسلامي. وقعنا في ازدواجية الثقافة وتخاصمت ثقافتان يكفر كل منهما الآخر. يرى كل منهما بقاءه وحياته في فناء الآخر وموته.
ويستطيع الفكر الإسلامي أن يعطي نموذجا دفاعا عن الهوية ضد الاغتراب على النحو الآتي: (أ)
تحريم القرآن موالاة الغير، والتقرب إلى الأعداء، والمصالحة معهم، والتودد إليهم، فغاية الأعداء هي القضاء على هوية الأنا وإيقاعها في التقليد والقضاء عليها؛ حتى لا يوجد إلا الآخر.
5 (ب)
رفض التقليد والتبعية في السلوك الفردي وفي العقائد من أي فرد كان، وإثبات المسئولية الفردية. فإيمان المقلد لا يجوز، والاعتذار بالتقليد غير مقبول يوم الحساب.
6 (ج)
لقد استطاع الفكر الإسلامي القديم تمثل الحضارات السابقة دون أن يفقد هويته بل قام بدور ناقد لها، ومطور ومكمل لإنجازاتها، فظل إسلاميا معاصرا، ذاتيا قادرا على التعامل مع الآخر، ممثلا للحضارات القومية كلها. (د)
بالرغم من انبهار الفكر الإسلامي الحديث وأخذه الغرب كنموذج للتحديث من حيث الصناعة والتعليم والنظم البرلمانية والدستورية، إلا أنه أيضا كان ناقدا للغرب في دهريته وإباحيته ودنيويته (الأفغاني، إقبال). ولم يفقد خصوصيته وهو في أوج التعامل معه بالرغم من الاستعمار أو بعد الاستقلال. (6) توحيد الأمة في مواجهة التجزئة