| ثالثا: مدى ما يمكن أن يسهم به الفكر الإسلامي المعاصر في مواجهة قضايا العصر ومشكلاته وتحدياته
ليست القيم الإسلامية وتصورات الإسلام الأساسية مجرد فلسفة نظرية أو مذهب فلسفي يكتفي به الإنسان ويقتنع به، يملأ عليه حياته، ويعطيه الطمأنينة والسكون، بل مجرد إعداد ذهني للإنسان لمواجهة تحديات عصره ومشكلات جيله، يمده بطاقة وقدرة، ويحدد له خططه وغاياته. الفكر الإسلامي على هذا النحو فكر نضالي يقوم على المواجهة كما كان في بدايته يقوم على «أسباب النزول» أي إن الواقع سابق على الفكر، وإن المشكلة الاجتماعية هي التي تتحدى الفكر، وتطالبه بمقابلة التحدي بتحد مماثل. وقد كان عمر بن الخطاب يقبل التحدي ويفرض حلا بحكم البديهة والمصلحة فيأتي الوحي مؤيدا لاجتهاده. لا مكان إذن لفكر إسلامي خارج الزمان والمكان، يقول كل شيء ولا شيء، يسهب ويطيل في لاموضوع أو يتناول موضوعات لا وجود لها، لا يثير قضية، ولا يضع مشكلة أو يتطلب حلا. يقتصر على المبادئ العامة دون تطبيقها في مجتمع بعينه في لحظة تاريخية محددة، وفي مشكلة بعينها حتى يمكن أن تظهر قدرة الفكر الإسلامي على مواجهة التحديات وإيجاد حل للمعضلات. وفي هذه الحالة يكون الفكر الإسلامي مخاطرة ومغامرة، ومعركة وصراعا وليس مجرد إعلان لحسن النيات ولكمال الإسلام!
وعلى سبيل المثال يمكن للفكر الإسلامي أن يواجه قضايا العصر الأساسية وهي بالنسبة لنا يمكن إجمالها في ست: (1) تحرير الأرض من الاحتلال والغزو
إن أول قضية تعرض لنا هي قضية احتلال الأرض، سواء من الاستعمار القديم (فما زالت هناك أراض محتلة من المغرب وأفغانستان وكشمير)، وهي كلها أراض يعيش عليها المسلمون، وبالتالي تدخل في دار الإسلام أو في الغزو الاستيطاني الجديد في قلب العالم الإسلامي والوطن العربي في فلسطين. ويمكن إيراد أسباب الاحتلال من الدراسات التاريخية وكيفية مقاومته من علوم السياسة. ولكن ما يهمنا هو كيف يمكن للفكر الإسلامي أن يساهم في كيفية تحرير الأرض من الاستعمار القديم والغزو الاستيطاني الجديد. وطالما استعملناها للحماس في أجهزة الإعلام دون جدية من أجل إعداد الجماهير لأخذ مصائرها بيدها. مثلا: (أ)
الله والأرض في القرآن وحدة واحدة كما يبدو ذلك في عديد من الآيات؛ مثل:
رب السموات والأرض ، [الرعد: 16]،
له ملك السموات والأرض [الحديد: 5]،
وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ... [الزخرف: 84] إلخ. مما يدل على أن الدفاع عن الأرض دفاع عن الله، وأن المؤمن بالله لا بد وأن يؤمن بالضرورة بالأرض.
1 (ب)
الحث على القتال دفاعا عن الأرض والديار، والإعداد لذلك، وهجوم القرآن على القاعدين والمتخلفين المتثاقلين إلى الأرض الذين يؤثرون الدنيا على الآخرة. لذلك كان الجهاد أصلا من أصول الشريعة وركنا من أركان الإسلام، كما أبرزت ذلك الحركة الإسلامية المعاصرة، وتعظيم الشهداء وبأنهم أحياء عند ربهم يرزقون.
2 (ج)
الفتوحات والتبليغ وإعلان التوحيد، وتحرير الشعوب من الطاغوت والقهر، وضمهم تحت «لا إله إلا الله»، فالإسلام فاتح للأرض، محرر للشعوب، تحقيقا لكلمة الله، وأداء للأمانة، وتحويلا للتوحيد من النظر إلى العمل، ومن المعرفة إلى الوجود. (د)
مهمة الإمام الذب عن البيضة، وإقامة الثغور، وتجهيز الجيوش، والدفاع عن دار الإسلام قبل أن تكون تطبيق الحدود وتقسيم الغنيمة والفيء؛ فالدفاع عن البلاد فرض على الحاكم والمحكوم دون الاستسلام للعدو أو الرضا بالاحتلال. (2) الدفاع عن الحريات في مواجهة القهر
قضيتنا الأساسية الثانية هي قهر الحريات، فسجوننا ملأى بالخصوم السياسيين وكأننا لا نتصور إلا فارسا واحدا في الميدان، هو الحاكم الزعيم الملهم، الرئيس المجاهد الأعظم، حتى كانت صورتنا في ذهن الغرب أن واحدا فقط لدينا هو الحر، هو الحاكم، أما الباقون فعبيد، في حين أن الناس كلهم في الغرب أحرار. ويمكن للفكر الإسلامي أن يساهم في الدفاع عن قضية الحريات في البلاد وأن يساعد في القضاء على شتى صنوف القهر والطغيان على النحو الآتي: (أ)