تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخذ الفكر العلمي العلماني موقف الهجوم المقنع من القديم داعيا إلى الانقطاع عنه فليس فيه إلا دين وتشريع وأخلاق وتصوف، وليس فيه من علوم الدنيا إلا تاريخ هذه العلوم. وقد سبب هذا الموقف الآن في جيلنا رد فعل الحركة السلفية والقيام بالدعوة المضادة من الدفاع عن القديم كله بكل ما فيه. وقد يكون الهجوم على أجزاء من القديم وليس على القديم كله، فيستثنى من الهجوم ابن رشد أو ابن خلدون أو المعتزلة أو الفقه الواقعي.

1

ولكن هذا الاستثناء لم يفلح في إبراز هذه الجوانب من القديم وتحويلها إلى رافد في الثقافة القومية خاصة وأنها مرفوضة من الحركة السلفية باعتبارها مواقف مقلدة للآخر (اليوناني). وقد ولد التصاق هذا التيار بالنصرانية إلى طائفية ضمنية أو صريحة باعتبار أن النصارى هم أصحاب هذا الموقف: القطيعة مع القديم؛ إذ إنهم لا يجدون أنفسهم فيه. وقد أدى ذلك أيضا إلى كبوة الإصلاح في جيلنا. فالقطيعة مع القديم لا وجود لها إلا في ذهن بعض الأفراد. أما لدى جماهير الشعب وفي أجهزة الإعلام وفي خطط الغرب فله حضور دائم وثقل تاريخي لا يمكن تجاهله. وقد أدى تفجره إلى اندلاع الثورة الإسلامية في إيران ضد كل محاولات التحديث العلماني الغربي. إنها مسئولية الجيل الخامس أنه لم يطور موقف القطيعة إلى موقف المطور والمغير والمعدل من أجل تحقيق التغير من خلال الاستمرار حرصا على التجانس التاريخي وحتى لا ينشأ رد فعل سلفي يعصف بكل شيء أو يكاد، كما هو الحال الآن في تركيا وبولندا، وفي شتى أنحاء العالم العربي.

أما الفكر السياسي الليبرالي فإنه أخذ موقف التبرير للواقع باستعمال القديم أو التوفيق بين القديم ومقتضيات الحداثة؛ مما جعل القديم مجرد آلة للاستخدام لصالح الدولة. استعمل لتبرير الحداثة ونشرها، بل وباستعمال المنقول دون المعقول، وبالاعتماد على الأشعرية السائدة.

2

وقد استمر هذا النمط حتى الآن ولم يغيره أحد، فاستعملت الدولة القديم لتبرير وجودها وتدعيم شرعية نظامها، كما استعمله الموظفون الأيديولوجيون لكل نظام لتدعيم السلطة وبيعتها أمام الجماهير التي ما زال القديم يمثل بالنسبة لها قيمة مطلقة وتصديقا يعادل الإيمان. لم يقم الجيل الخامس بتغيير نمط التبرير إلى نمط التثوير، ومن الدفاع عن النظام إلى قيادة الجماهير، فكبا الإصلاح وتعثر، وضاق بعد أن امتد الواقع وتجاوز نمطه القديم.

وعلى هذا النحو تشترك الروافد الثلاثة فيما بينها في أنها ليس لديها موقف بحكم علمي تاريخي من القديم، بل مواقف لا علمية تمثل ردود أفعال انفعالية على بعضها البعض أو تكشف عن قصور في رؤية الواقع.

| ثالثا: الموقف من الغرب

بالرغم من التمايز بين روافد النهضة الثلاثة، إلا أنها في واقع الأمر أخذت موقفا متشابها بالنسبة للغرب، وهو أنها جميعا اعتبرت الغرب نمطا للتحديث، والخلاف بينها مجرد اختلاف في الدرجة لا خلافا في النوع.

فبالرغم من هجوم الحركة الإصلاحية على الماديين «النيتشريين» سواء في الهند أو في الغرب ممثلين في الاشتراكيين (السوسياليست) والشيوعيين (الكومونيست) والعدميين (النهيليست)، وبالرغم من رفضنا أطر الغرب النظرية المادية ومظاهر تقليده في الفكر والثقافة كما في السلوك والممارسة، إلا أن الإعجاب بالإنجازات العملية والتفرق العلمي والعمراني في الغرب دفع الإصلاح الديني إلى اعتبار الغرب من هذه الناحية نمطا للتحديث؛ فمواجهة الاستعمار الغربي من الناحية العملية لم تمنع من تبني الوسائل التي استعملها الغرب نفسه، فأدت إلى تفوقه على غيره، وفي مقدمتها العلم والصناعة، وقد أدى كلاهما إلى القوة والغلبة. وقد دافع الغرب عن الحرية وما تؤدي إليه من نظم برلمانية ومجالس ودساتير وملكيات مقيدة. وبالتالي استطاع الغرب أن يحقق العمران، ويبني المدن، ويراعي النظافة، ويتقدم، ويكتشف علوم الإنسان والتاريخ. لا يحارب العدو إلا بسلاحه، ولا سبيل إلى مواجهة الغرب إلا بأساليب الغرب. واستمر الحال كذلك في الجيلين الثالث والرابع على مستوى الفكر والمذاهب الفلسفية، خاصة بعد أن خفت حدة مقاومة الاستعمار بعد بدايات الحصول على الاستقلال الوطني. ولكن في الوقت نفسه بدأت ظاهرة «التغريب» ولم يلتفت إليها أحد إلا كرد فعل مضاد في الحركة السلفية المتهمة لدينا بالرجعية والتخلف والارتداد إلى الماضي. ولم يحاول الجيل الخامس تغيير النمط القديم «الغرب كنمط للتحديث» إلى «تحجيم الغرب » ورده إلى حدود الطبيعية لإفساح المجال للإبداع الذاتي للشعوب ولتجاربها الخاصة.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٨١