تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات [مريم: 59]، حتى يئس الناس من التقدم، ونشأت الحركات السلفية ظانة أن كل تقدم هو رجوع إلى الوراء «خير القرون قرني»، فكيف تنهض أمة والتاريخ في وعيها سقوط وانهيار؟ لا يمكن أن يتم عمل سياسي لإيقاظ الجماهير وإحياء عقائدهم إلا بإعادة بناء النسق العقائدي واستبدال اختيار القدماء باختيار آخر؛ نظرا لتغير الظروف وتبدل المخاطر. أو على الأقل الاستفادة من النسق القديم على نحو يخدم القضية الاجتماعية الحالية. فلا يعقل أن يعبد مجتمع إلها عالما وهو جاهل، قادرا وهو عاجز، حيا وهو ميت، سميعا، بصيرا، متكلما، مريدا، وهو لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يريد! لا يمكن أن يتم عمل سياسي دون أيديولوجية، ولا يمكن صياغة أيديولوجية في مجتمع تراثي دون ما تحول لنسقه العقائدي القديم. (ب) علوم الحكمة

وهي علوم نظرية مثل علم أصول الدين، ولكنها تطوره وتحيله إلى علوم يغلب عليها العقل أكثر من النقل، وتتعامل مع الحضارات الأخرى دون خوف أو تردد. وقد تشعبت إلى حكمة منطقية وحكمة طبيعية وحكمة إلهية، دون أن تكون هناك حكمة إنسانية أو حكمة تاريخية، وبالتالي غاب بعدا الإنسان والتاريخ من وجداننا القومي، فقامت نظمنا السياسية بلا إنسان، لا ترعى حقوقه، ولا تدافع عن كرامته. كما أنها نظم خارج التاريخ لا ترتبط بماضيها ولا تخطط لمستقبلها. فانفصل الوعي السياسي عن حقوق الإنسان وعن الوعي التاريخي في آن واحد. وتعثر العمل السياسي، واختلفت النظم في تصورها للهياكل الاجتماعية والسياسية، ولكنها اتفقت فيما بينها على تجاهل قضية الإنسان، وتجاهل المرحلة التاريخية التي تمر بها مجتمعاتنا.

أما الحكمة المنطقية فإنها لا تتعدى قواعد المنطق الصوري، منطق القضايا، ما دام منطقا عقليا خالصا لا يعارض النقل في شيء، وقادر على أن يعصم المذهب من الوقوع في أخطاء الاستدلال أو اللغة. ولكنه لم يتحول إلى منطق جدلي تاريخي، منطق للصراع بين الأضداد، وبالتالي لم نستطع فهم قوانين الصراع في مجتمعاتنا الحالية، وتصور السياسة على أنها تغيير نظام بنظام عن طريق الانقلاب والقفز على السلطة، أي سياسة صورية خالصة بلا جدل وبلا تاريخ، خلت من الجماهير، واعتمدت على الزعامات أي على التصورات السلطوية وعلى المعجزات والمغامرات والمبادرات الفردية.

والحكمة الطبيعية والحكمة الإلهية بالرغم من اختلافهما إلا أنهما في نهاية الأمر تقومان على تصور ثنائي واحد للعالم. بقدر ما نعطي الطبيعة نأخذ من الله وبقدر ما نعطي الله نأخذ من الطبيعة. فالعلاقة بين الطبيعة والله علاقة سالب بموجب، حادث بقديم، فان بباق، ممكن بواجب، عدم بوجود. فدمرنا الطبيعة لحساب الله، ونظرنا إلى الله فضاعت الأرض من تحت الأقدام. وعدنا فتصورنا الطبيعة كمادة وصورة، معلول وعلة، كثير وواحد، حركة ومحرك، وكأننا جعلناها مجرد سلم إلى الله، ودليل عليه. أما الله فهو عقل وعاقل ومعقول، عشق وعاشق ومعشوق، جلال وبهاء وجمال، وعشقنا الطهارة كتعويض عن عالم البؤس والشقاء. وكانت غاية الإنسان الاتصال بالعقل المفارق، والاتحاد به، فتحولت الحكمة إلى تصوف وإشراق، وضاع العقل لحساب الذوق. ونحن ما زلنا في عملنا السياسي ندعو إلى العقلانية والعلم، وندعو إلى اكتشاف الطبيعة وقوانينها، وما من مجيب.

وقد تصورت علوم الحكمة الفضائل النظرية أعلى من الفضائل العملية، وأن الذي يفكر بعقله أفضل من الذي يعمل بيده، وبالتالي استحال في عملنا الاجتماعي الدعوة إلى العمل والمعاهد المتوسطة والمدارس الفنية، وترسب في وعينا القومي أن الجامعات أفضل من المعاهد، وأن المفكر أفضل من العامل، وأن الياقات البيضاء أفضل وأشرف من الياقات الزرقاء. فاحتقرنا العمل اليدوي. وأراد الكل أن يكونوا مهندسين ومشرفين وإداريين لا عمالا منتجين، صناعا أو زراعا. وفي تصور «المدينة الفاضلة»، يرأسها الفيلسوف الحكيم أعلم البشر وأحكمهم وأفضلهم وأشجعهم وأنقاهم، الحاكم الأوحد، والزعيم الملهم، والقائد الأعظم، والمجاهد الأكبر، والإمام، يتلوه من هم أقل منه فضلا، الوزراء والكتاب، يتلوهم العمال والزراع. فإذا خرجت القاعدة أو جزء منها على القمة وجب بترها حتى يصح الجسد كله ببتر العضو الفاسد! أصبحت «المدينة الفاضلة» صورة اجتماعية لنظرية الفيض أو الصدور حيث يتربع أيضا في قمة الكون الواحد، ثم يصدر عنه الثاني، ثم الثالث، حتى العاشر. وبالتالي أصبح النظام هرميا في المعرفة وفي الوجود وفي الأخلاق السياسة، ونتجت عن ذلك النظم البيروقراطية والإقطاعية والرأسمالية. واستحال أي عمل سياسي لتغيير المجتمع إلى نظم أخرى لا مركزية اشتراكية جماهيرية شعبية، طالما أن التصور الهرمي للعالم النابع من التراث الفلسفي ما زال مترسبا في الوجدان الفردي وفي الشعور الاجتماعي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٧٢