إن في ذلك كله قضاء على الإيمان في قلوب الناس وإدخال الدين ذاته في اللعبة السياسية، وبالتالي الانتهاء إلى النسبية المطلقة وضياع الحق من قلوب الناس. والحقيقة أن هذه الشبهة تقوم على تصور خاطئ للتراث؛ فالتراث ليس الدين، والتصورات المختلفة للعقائد ليست عقائد الإيمان. إعادة بناء التراث عملية تاريخية صرفة تتعامل مع نتاج تاريخي خالص. صحيح أن المعطيات التراثية في بداياتها كانت معطيات دينية، ولكن نسج حولها الفلسفة والأخلاق والفن والأمثال العامية وسير الأبطال والملاحم الشعبية. فالتراث نتاج إنساني خالص ليس له صفة القداسة أو الألوهية. وما دمنا في نطاق التاريخ والمجتمعات البشرية فنحن شئنا أم لم نشأ في نطاق التغير والحدوث، ولسنا في نطاق الثبات والديمومة. ويكون الأبقى هو منطق عملية التغيير ذاتها وليس نتاج العملية الذي قد يختلف من عصر إلى عصر ومن مجتمع إلى مجتمع.
لقد قامت مجتمعات نامية أخرى بإعادة بناء التراث كوعاء لحركاتها الوطنية، مثل الصين وفيتنام وإيران والجزائر وأمريكا اللاتينية وبعض البلدان الأفريقية، وبقي أن نحول ذلك إلى علم دقيق خارج العلوم الاجتماعية الغربية - التي وقعت ضحية النموذج اللاتراثي الغربي - وتأسيس علوم اجتماعية وطنية تعترف بخصوصية الشعوب وبقدراتها على الخلق والإبداع بما لديها من رصيد تاريخي طويل وتجارب معاصرة أدت بها إلى التحرر والاستقلال.
| التراث والعمل السياسي1
| أولا: ماذا يعني التراث والعمل السياسي؟
ليس التراث مجموعة من العقائد المقدسة، والأبنية الصورية أو النصوص المخطوطة والمنشورة والمراجع والمعاجم ودوائر المعارف؛ فهو ليس تراثا صوريا فارغا لا أثر له ولا هو تراث مادي حسي، مجرد مجموعة من الكتب «الصفراء» القديمة تدرسها الجامعات الدينية. التراث هو المخزون النفسي عند الجماهير، هو تواصل الماضي في الحاضر، يتحول إلى سلطة في مقابل سلطة العقل أو الطبيعة. يمد الإنسان بتصوراته للعالم وبقيمه في السلوك. ويظهر التراث كقيمة في المجتمعات النامية، وهي المجتمعات التراثية التي ما زالت ترى في ماضيها العريق أحد مقومات وجودها، وفي جذورها التاريخية شرط تنميتها وازدهارها.
وعادة ما يقوم التراث في مثل هذه المجتمعات بوظيفتين متعارضتين طبقا للبناء الاجتماعي والتكوين السياسي لكل مجتمع. فإذا كان المجتمع بطبيعة تكوينه مجتمعا طبقيا، وفي المجتمعات المتخلفة طبقة أقلية بيدها السلطة وطبقة أغلبية صامتة خارجة عن السلطة، فإن التراث يعتبر إفراز كل طبقة لمفاهيمها ومصالحها وتصوراتها وتأويلاتها للنصوص الدينية. ولما كانت الأقلية بيدها الحكم والأغلبية محكومة كان تراث الأولى تراث السلطة، وتراث الثانية تراث القمع، وفي أقله تراث المعارضة. التراث إذن تعبير عن الصراع الطبقي والسياسي في كل مجتمع لذلك كان تراثان: تراث الحاكم وتراث المحكوم، تراث الأغنياء وتراث الفقراء، تراث القاهر وتراث المقهور. وهذا هو الذي يفسر قضية «الاشتباه
Ambiguité » في التراث؛ إذ نجد فيه نظريات وآراء ومعتقدات «سلطوية» تدعو إلى الطاعة لأولي الأمر والتسليم لهم ونظريات وآراء ومعتقدات أخرى تدعو للثورة عليهم وللخروج على سلطانهم، حتى بدا التراث متعارضا كما هو الحال في الأمثال العامية. فهناك تشبيه وتنزيه، نقل وعقل، جبر واختيار، إيمان وعمل، نص حرفي وعقل مصلحي، دعوة إلى الآخرة ودعوة إلى الدنيا ... إلخ. لذلك يستعمل الجميع حجة التراث باعتباره حجة سلطة، الحاكم والمحكوم، القاهر والمقهور، كل منهما يجد في التراث ما يؤيده، ومن هنا أتى دوره في العمل السياسي.
فلما كان التراث سلطة وقيمة وحجة في وجدان الناس، يطيعونه دون ما حاجة إلى اقتناع، استعمله الحكام طلبا للطاعة لهم وإثباتا لشرعيتهم. وأظهروا عقائد الطاعة