وقد يكون الشرح، وكما وضح عند ابن رشد، على ثلاثة أنواع لا يهم مدى تعبيرها عن المراحل الزمانية في حياة الفيلسوف بقدر ما يهم دلالاتها على الشرح كأسلوب فلسفي أو نوع أدبي: (1)
الشرح الأصغر، وهو أقرب إلى التلخيص. ويقوم هذا الشرح على البداية بالفكرة الواحدة ثم الناء عليها ربطا للقديم بالجديد، وتواصلا بين الحضارات، واستمرارا للتراكم المعرفي للإنسان، دون ذكر مقال أرسطو أو حتى اسم صاحب النص أو أية أسماء أخرى أو شواهد من بيئة المنقول أو من بيئة الناقل. (2)
الشرح الأوسط في صيغة «قال أرسطو إن ...»، وهو القول غير المباشر، ويعني ذلك البداية بأول النص المترجم كخيط قائد، ثم الخروج عنه تأليفا وإبداعا لنصوص أخرى. البداية من الآخر أما الوسط والنهاية فمن الأنا. النقل من الآخر أما الإبداع فمن الأنا. (3)
الشرح الأكبر وهو أخذ النص مقسما إلى وحدات صغيرة وبدايتها «قال أرسطو ...» مع التمييز بين النص والشرح، بين المقروء والقراءة كما هو الحال في علوم التفسير. ويتم تقطيع النص المقروء حتى يسهل مضغه وابتلاعه وهضمه من أجل تمثله وتحوله إلى إبداعات فكرية، ونشاطات ذهنية، وهنا تبقى الشواهد الأصلية من الوافد ويزاد عليها شواهد محلية من الموروث.
4
أما التلخيص فمع أنه أصغر كما إلا أنه أكثر تركيزا فكرا؛ لأنه يعني: (1)
تجاوز مرحلة النص كلية، والانتقال ليس فقط من اللفظ إلى المعنى، ولكن أيضا من الإسهاب في المعنى إلى التركيز، ومن المعاني الفرعية إلى المعاني الكلية. التلخيص بهذا المعنى لباب بلا قشور، وجواهر بلا أعراض، وقلب بلا أطراف، وروح بلا جسد. (2)
إسقاط الشواهد والأسماء والتحديدات الزمانية والمكانية والشخصية كلها، وعدم استبدال أمثلة جديدة من ثقافة الأنا بأمثلة قديمة من ثقافة الآخر. (3)
الحرص على التجريد والتعميم بحيث يبدو الفكر وكأنه من استنباط العقل النظري الخالص دون ما رجوع إلى أية مادة علمية من ثقافة الآخر أو من ثقافة الأنا. وهي البنية الصورية للموضوع بصرف النظر عن الخطاب أو المقال، وتأسيس هذه البنية على نسق داخلي عضوي قائم بذاته بصرف النظر عن نشأة هذا الموضوع في هذا التراث أو ذاك.
وبهذا المعنى لا يختلف التلخيص عن التأليف في شيء إلا في أن التلخيص ما زال يحتفظ بعنوان النص المنقول مثل المقولات، العبارة، القياس، البرهان ... إلخ. وفي هذه الحالة لا يشير العنوان إلى نص واحد، بل إلى موضوع فلسفي صرف لا وافد ولا موروث، العقل قادر على التعامل معه مباشرة. وهذا هو أحد معاني الفلسفة التي افتقدناها في فلسفتنا المعاصرة.
أما العرض والتأليف فهما مرحلة تالية بعد الشرح والتلخيص. العرض هنا محاولة للتأليف في الوافد، وتناول الموضوع ابتداء منه. هو عرض للشيء ذاته متجاوزا الشرح والتلخيص، اللفظ والعبارة. ومع ذلك يظل اسم الفيلسوف الوافد مذكورا في العنوان اعترافا بفضله، وشهادة لإمامته وسبقه. وقد يكون ذلك إما عرضا لكتاب واحد أو للفلسفة كلها. وقد يظهر اسم الكتاب وحده وقد يظهر معه الموضوع ذاته تمهيدا لمرحلة أخرى هي التأليف في موضوع الوافد بصرف النظر عن أشخاصه.
5
وقد يكون التأليف «العارض» هو دخول في معارك الوافد، والانتصار لفيلسوف على آخر إحقاقا للحق وانحيازا له بصرف النظر عن النتيجة وإن كانت في الغالب لصالح أرسطو على غيره، ليس تبعية لأرسطو ولكن نظرا لأنه أقرب إلى روح الإسلام في اتفاق العقل والطبيعة والذي يجعله الإسلام تطابق العقل والطبيعة والوحي.
6
وفي حالة عدم التناقض بين فيلسوفين وآخرين والانتصار لأحدهما إذا كان التناقض صحيحا فإنه يمكن الجمع بينهما إذا ما كان التناقض ظاهرا. وبالتالي يمكن الجمع بين رأيي الحكيمين كما يمكن ضم آرائهما في النفس، لا يعني ذلك خلطا بين المتناقضين ناشئا عن سوء فهم، بل جمع للأجزاء في كل واحد هو التصور الإسلامي الجديد الذي يجمع بين الواقع والمثال، بين الدنيا والآخرة، بين الجسد والروح ... إلخ.