تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم ندرس علم أصول الفقه بأكمله وهو ما يعبر عن إبداع المسلمين وإحساسهم بالعالم ووضع مناهج الاستدلال بعيدا عن الاستشراق، وأحكام منطق اللغة بعيدا عن الخطابة والجدل، ووضع شروط للتواتر والآحاد بعيدا عن الروايات الموضوعة التي تلهب الخيال وتتحول إلى جزء من الأساطير الشعبية، ووضع أحكام للفعل ووصف مناهج للسلوك بعيدا عن الكبت والحرمان والازدواجية والنفاق. لم ندرس إبداع المسلمين في وضع مناهج للرواية لضبط النقل أو وضع أصول المنطق الحسي الذي يقوم على المشاهدة ومجرى العادات أو المنطق الأرسطي ووضع منطق بديل يقوم على قياس الغائب على الشاهد، وقياس الأولى، وأن ما لا دليل عليه يجب نفيه. لم نعتن بكيفية نشأة العلوم الرياضية والطبيعية والإنسانية (اللغة والأدب والجغرافيا والتاريخ) التي أبدع فيها القدماء، ولم ندرسها إلا في إطار «تاريخ العلوم عند العرب» كجزء من تاريخ العلم كما يفعل الغرب، ولم نحاول نحن معرفة الصلة بين التوحيد والعقل، بين التوحيد والطبيعة، وكيف استطاع القدماء بعقلية التوحيد اكتشاف الرياضيات وقوانين الطبيعة. فوضع ابن رشد مع باقي الفلاسفة، وابن خلدون مع باقي المؤرخين دون إدراك للنوعية والاختيار. (2)

لقد فعلنا الشيء نفسه في التراث الغربي، فإذا درسنا الفلسفة الغربية فإننا ننتزعها من بيئتها وكأن ديكارت وكانط وهيجل وماركس ونيتشه وهوسرل وبرجسون وسارتر وميرلوبونتي وهيدجر نجوم لامعة نتأملها ونعجب بها، بل ونحكم عليها، على صدقها أو بطلانها، بحجج الذوق السليم أو العقل الصريح، وربما أيضا بالأخلاق الكريمة والقيم الفاضلة والنظم السياسية - وأحيانا الاجتماعية القائمة - والأعراف والتقاليد وكل الموروث القديم. ولما تشتتت المذاهب وتباينت الآراء وقعت الحيرة في الاختيار؛ هذا مثالي، وذاك واقعي، هذا عقلي، وذاك حسي؛ فالمحافظون يختارون المثالية، والتقدميون يختارون الواقعية، وينشأ الخلاف بيننا. والصراع على المذاهب في ظاهره غربي وفي حقيقته يكشف عن موقف حضاري خاص بنا، وهو أن المثالية وريث طبيعي للمحافظة والتقليد الديني، والواقعية هي التطور الطبيعي للدين المثالي والأكثر قدرة على الدفاع عن حياة الناس ومصالح الشعوب.

وفي حقيقة الأمر فإن المذاهب الغربية وليدة بيئتها، بل إن فكرة المذهب إنما نشأت بعد أن تمت تعرية الواقع الأوروبي تماما من أغطيته النظرية القديمة الموروثة من العصر الوسيط المسيحي الكنسي. وجاء عصر النهضة، فأزاح كل الغطاءات النظرية الممكنة، رافضا الموروث باعتباره مصدرا للعلم الذي تحول إلى العقل والطبيعة. العقل والوحي شيء واحد، والطبيعة والدين شيء واحد (وحي العقل، دين الطبيعة).

2

نشطت المذاهب في القرن السابع عشر في محاولة لإيجاد نسق كلي شامل يقوم بدور الموروث القديم في تفسير العالم وإيجاد علاقة بين الله والطبيعة والإنسان. فنشأت العقلانية، ومنها المثالية النقدية، تعطي الأولوية للعقل وحقه في فهم الطبيعة. كما نشأت الحسية ومنها الوضعية؛ لتعطي الأولوية للحس وحقه في رؤية الطبيعة. وظل المذهبان يتصارعان مرة، ويتركبان في مذهب ثالث مرة أخرى؛ إما على نحو آلي خارجي ثابت (كانط) أو على نحو حيوي داخلي متحرك (هيجل). ثم أتت المذاهب الإنسانية الحيوية والإرادية والوجودية لتعطي الأولوية للإنسان على العقل والطبيعة، ولتحول العلوم الرياضية والطبيعية على السواء إلى علوم إنسانية، ففي سقراط الجديد يجتمع أفلاطون وأرسطو. وقد حكم تطور المذاهب قانون الفعل ورد الفعل، أو جدل الموضوع ونقيضه ومركبه، ثم طبع هذا الجدل الوعي الأوروبي في بنيته بقسمة ثلاثية ظاهرة؛ صورية، أو مادية، أو حيوية، وعادة ما يتم الخلط بين هذه المستويات دون تمييز بينها.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٥