تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يكون أحد أسباب عدم التوازن في وعينا القومي بين التراث والفلسفة هو أن التراث معلوم الهوية؛ إذ يعني تراثنا القديم أنه يعبر عن هوية الأنا، في حين أن الفلسفة والتي قد تعني الفلسفة الغربية المعاصرة، أقل وضوحا في التعبير عن الهوية، وهوية من؟ هوية الأنا أم هوية الآخر؟ وإذا كانت هوية الأنا فهل هي هوية الأنا القديم أم هوية الأنا المعاصر؟ وبالتالي ينشأ في الأنا ولاء مزدوج لهويتين غير متكافئتين؛ هوية القديم برسوخه وعمقه التاريخي، وهوية المعاصر بحداثته وغربته. وتشتد الأزمة بحيث يستحيل الجمع بين التراث والفلسفة بحرف العطف لأن العلاقة بينهما علاقة صراع وتضاد منذ نهضتنا الحالية. فإذا كان التراث يعبر عن «الأنا» والفلسفة تعبر عن «الآخر»، فإن علاقة التراث بالفلسفة تحددها علاقة الصراع بين الأنا والآخر، بين التحرر والاستعمار، بين الشرعية واللاشرعية، بين الجماهير والصفوة، بين المحكومين والحكام. وهل يمكن حل هذا الصراع بين الأنا والآخر، بين الجبهتين الأولى والثانية إلا في الواقع المباشر، أي الجبهة الثالثة، حيث يدور القتال؟

3

| ثالثا: مظاهر الأزمة

وتبدو الأزمة في تعاملنا مع التراث القديم في نقل علومه كلها دون ما اختيار أو تطوير. فغالبا ما ننقل الفلسفة والكلام والتصوف دون أصول الفقه مع أنه، وكما نبه على ذلك رواد البحث الفلسفي في عصرنا، أهم مواطن الإبداع في فكرنا الفلسفي المنطقي المنهجي. وما زال قابعا في كليات الشريعة في الجامعات الدينية مثل الجامعة الأزهرية، والجامعات الإسلامية بأم درمان والقرويين والزيتونة أو في كليات الحقوق في الجامعات الوطنية، مطويا في الشريعة الإسلامية وكأنه أحد مقدماتها دون مقارنة بينه وبين العلم الموازي له في التراث الغربي؛ أعني منطق القانون ومناهج تفسيره.

1

أسقطنا أصول من الفقه الحساب مع أنه منطق النص، وروح الحضارة، ومنهج الفكر، وموطن الإبداع، وبالرغم من شكايتنا المستمرة من غياب الفكر المنهجي في فكرنا المعاصر، ودعوتنا إلى أهمية المنهج في الفكر الغربي.

وفي تدريسنا للعلوم العقلية النقلية الأربعة وضعناها كلها على مستوى واحد دون أن نفضل بعضها على بعض، فعلم الكلام كالفلسفة وكالتصوف سواء بسواء دون تمايز بينها من حيث الأهمية أو النفع بالنسبة لعصرنا الحاضر بل ودون جدل بينها، هذا الجدل الذي أدركه القدماء. فالفلسفة تطوير للعقائد في الصراع الدائر بين المتكلمين والفلاسفة.

2

والتنزيل في صراع مع التأويل وهو الصراع المشهور بين الفقهاء والصوفية. والمتكلمون في صراع مع الصوفية، وهو الصراع بين منطق العقل ومنطق الذوق، بين البرهان والكشف، ومحاولة الفلسفة الإشراقية من ناحية وحكمة الإشراق من ناحية أخرى الجمع بينهما.

3

وقد حاول المتأخرون كالمتقدمين «إحصاء العلوم» من أجل تحديد علاقة العلوم كلها بعضها ببعض في نسق علمي واحد؛ طبقا لمقاييس في التصنيف تدل على اتصال الإلهيات بالطبيعيات، وعلم الكلام وعلوم الفقه بالعلم المدني.

4

وننقل مادة كل علم وعلى أقصى تقدير نصف نشأته وكأننا غرباء عنه، متفرجون عليه أشبه بالمستشرقين من أصحاب البلاد سواء بسواء مع أننا جزء منه، ومسئولون عنه. توقف العلم لأننا انفصلنا عنه، وتخلينا عن مسئوليتنا تجاهه كجزء من التخلي عن المسئوليات العامة لرجال العلم ولعلماء الأمة وتركها في أيدي أولي الأمر. وكان من نتيجة ذلك أن توقفت العلوم بعد نشأتها وتطورها واكتمالها.

وفي كل علم نعرض لأمهات المسائل والخلاف حولها وكأننا لسنا طرفا فيها، وكأن الأمر لا يعنينا في قضايا المصير. ففي الكلام نعرض للخلاف بين المعتزلة والأشاعرة ولا نفضل التنزيه على التشبيه في التوحيد، ولا نؤثر العقل على النقل، ولا حرية الإرادة على الجبر والكسب في العدل. ولا نعطي الأولوية للعمل على الإيمان في الأسماء والأحكام ولا للاختيار على النص في الإمامة. فلا تزال الإمامة في قريش، أي في فئة لا تخرج منها. وهي اختيارات قديمة فرضتها ضرورات العصور القديمة إبان النزاع على السلطة منذ أيام الفتنة الأولى والتي حفظتها الكتب المدونة ويكررها الأساتذة في الجامعات الدينية والوطنية بالرغم من تغير الظروف والتي تحتم اختيارات بديلة؛ طبقا لحاجات عصرنا. ما زلنا نؤرخ للفرق بين الفرق دون محاولة للجمع بين الفرق ونحن ندعو إلى الوحدة الوطنية ونريد تأسيس الجبهات الوطنية بعيدا عن أحادية الطرف في الحكم وكوسيلة للخلاص.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٤٣