تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خلق طبقة من المتخصصين لنشر العلم والقيام بأعمال الترجمة لمراكز الثقافة الممثلة للدول الغربية، وتوجيه الرأي العام لدى الشعوب بنوع المعلومات المترجمة، ومعظمها عن مآثر النهضة الأوروبية ومميزات المدنية الحديثة حتى يتحول الوعي القومي من الذات إلى الغير فتتكسب هذه الطبقة، وتحول العلم من رسالة إلى منفعة شخصية أو إلى وجاهة اجتماعية وسط شعوب في حاجة إلى التعلم والمعرفة. (6)

ويزيد ولاء هذه الطبقة للغير إلى حد يقرب من الخيانة الوطنية إذا ما أصبحوا أدوات للغزو الثقافي الأجنبي، ورسلا للاستعمار الثقافي وهم على وعي بدورهم، فيجرفهم في النهاية أقرب تيار للثقافة الوطنية. (ج) طغيان طابع العقلية الغربية

نظرا للكم الهائل من المنقول من تراث الغير ولانتشار عادة الترجمة والتجميع في صورة تأليف، فإن «طابع» العقلية الغربية سرعان ما ينتشر في أذهان الشعوب. فالكم المنقول يولد معه كيف الفكر، فيفكر المثقفون بمقولات الغرب، وتطبع أذهانهم بطابع العقلية الغربية التي يمكن توصيفها على النحو الآتي: (1)

التجزئة والتقسيم والتفتيت بدعوى التحليل والدقة العلمية لرؤية المتناهي في الصغر، حتى استحالت رؤية الكل الشامل. فأصبح المثقفون لدينا بدعوى «المنهج التحليلي» قصيري النظر لا يتجاوزون التخصص الدقيق في حياتهم العامة، وفقدوا المنظور التاريخي، والبعد الحضاري للعلم. وقد حدث ذلك في الغرب خاصة كرد فعل على الشمول الكنسي الأرسطي ومذاهب الفلسفة في العصر الوسيط والفكر الموسوعي.

1 (2)

الوقوع في المتعارضات المفتعلة والتناقضات الوهمية والاتجاهات المتضاربة التي ينفي أحدهما الآخر؛ مثل العقل والحس، المثالية والواقعية، الصورية والمادية، العقل والعاطفة، الفردية والاجتماعية، الرأسمالية والاشتراكية، وكأن الحقيقة في طرف دون الطرف الآخر. وقد حدث ذلك خاصة في العقل الأوروبي نتيجة لسيطرة طرف ورفض الطرف الآخر لذلك. فقد دفع المعطى الديني الغربي العقل إلى الروح فآثر المادة، وإلى الآخرة فآثر الدنيا، وإلى التسامح فأخذ العنف. (3)

وكان نتيجة لذلك أن انتقل العقل الأوروبي من الفعل إلى رد الفعل، ومن رد الفعل إلى الفعل من جديد، يرفض اليوم ما قبله بالأمس، ويرفض بالأمس ما يقبله اليوم، وأصبح من الممكن دراسة الحضارة الأوروبية كلها طبقا لهذا القانون من الكلاسيكية إلى الرومانسية، إلى الكلاسيكية الجديدة، إلى الرومانسية الجديدة في الفن، ومن المثالية إلى الواقعية إلى المثالية الجديدة إلى الواقعية الجديدة في الفلسفة ... إلخ. (4)

ونتج التغير المستمر، وعدم الاستقرار، والقلق، والبحث؛ عن بؤرة للأشياء لا يمكن العثور عليها؛ إذ يمتد الذهن باستمرار إلى أطراف البؤرة وليس إلى البؤرة ذاتها، وكأنه غير قادر تاريخيا على حسن التصويب لفقد البواعث الموجهة أو الهدف الأقصى. هذا الإيقاع السريع في البحث عن شيء هو الدافع وراء الإبداع المستمر من أجل الاستقرار على شيء. وهو ما لم يحدث قبل ذلك في الشعوب غير الأوروبية المستقرة نظريا في تصورها للعالم. (5)

التحيز المسبق للمادي والعياني والمحسوس والاعتماد على المعرفة الحسية والتجريبية؛ نظرا للعقدة من المسلمات والمصادرات والمعطيات المسبقة التي مثلتها الكنيسة وأرسطو، وهو ما أصبح يسمى «بالمادية الأوروبية» وقد انتقلت من مجال المعرفة إلى مجال الأخلاق وكأن الوعي الأوروبي قد ارتكن إلى الرومان دون اليونان، وإلى اليهودية دون المسيحية. (6)

كل المذاهب المثالية التي حاولت إعادة صياغة المسيحية على نحو عقلاني طبيعي اجتماعي، وتلك التي كانت رد فعل على المذاهب المادية؛ لا تخرج على حدود الوعي الأوروبي، بل تنطبق عليه وحده. فمبادئ العقل والحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية وكل ما أعلنه ميثاق «حقوق الإنسان» إنما يصدق داخل أوروبا وحدها . أما خارجها فتنقلب هذه المبادئ إلى ضدها؛ فخارجها لا توجد شعوب بل أشباه شعوب، ولا توجد حقوق بل واجبات، ولا توجد حضارات إنسانية حاضرة بل حضارات تاريخية موضوعا للأنثروبولوجيا في متاحف الغرب. (7)

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٣٢