تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحداثة في مظاهر الحياة الخارجية في العمارة والهندسة وفي العمران بوجه عام من شق الطرق، وتشييد الجسور العلوية، وإقامة الميادين والحدائق العامة، والانتقال من عصر «الجمال» إلى عصر «الصواريخ»، ونقل إنجازات الغير دون اختراعها. (3)

الحداثة في الثقافة، والاطلاع على آخر صيحات العصر في الفكر والفن والأدب، دون وعي داخلي، لتزيين القصور ولحديث الأندية والمجتمعات. فالثقافة ترف، والفن سلعة، والأدب من المستلزمات العصرية. وهنا تنشأ أقلية من العصريين، امتدادا لثقافة الغير وعاداته وتقاليده ، تكون نواة النخبة السياسية فيما بعد. (ب) مخاطر الحداثة

والحداثة بهذا المعنى لها مخاطر عدة منها: (1)

ترويج التقدم على السطح، وترك التخلف في العمق وفي تصور الناس للعالم، وكما قال أحد شعرائنا المعاصرين: «لبسنا قشرة الحضارة، والروح جاهلية.» (2)

انقطاع الماضي عن الحاضر، وغياب أي تطور طبيعي بينهما؛ مما يسبب في الحياة العامة تجاورهما المكاني دون أي اتصال زماني. فتشيد الأبنية الحديثة في مقابل الأبنية القديمة دون تطوير للقديم ودون ربط للجديد به. (3)

توليد المحافظة من أجل الدفاع عن القديم، وإحداث تيار عكسي للحداثة ورفض ما هو قائم. فما دام القديم قد توقف نموه بسبب موانع الجديد فإنه لا يبقى أمامه إلا التطور إلى الوراء. (4)

القضاء على خصوصية القديم ونوعيته، والتنكر لها أو الجهل بها تماما وإحلال الشمول محلها. وعادة ما يكون الشمول الغربي الذي هو في حقيقة الأمر خصوصية غربية انتشرت خارج حدودها بسبب تقدم الغرب السابق لنهضة الشعوب غير الأوروبية بحوالي خمسمائة عام، منذ عصر النهضة الأوروبي. (5)

عدم اللحاق بالغرب وإنتاجه السريع، واللهث وراءه. فإن معدل إنتاج الغرب أسرع بكثير من معدل تمثل الشعوب غير الأوروبية له. وهنا تحدث «الصدمة الحضارية». مع أن هذا التجديد المستمر يهدف إلى إيجاد البديل النظري في الوعي الأوروبي بعد إسقاط الغطاء النظري القديم منذ عصر النهضة، في حين أن الشعوب غير الأوروبية ما زالت تحت غطائها النظري الموروث. (6)

تكوين طبقة من «المستغربين» أو ما سماهم فكرنا المعاصر «المتأوربين» منعزلة عن جموع الشعب لا أرض لهم، يعيشون في العواصم الأوروبية ويتنقلون بينها، وقد يولدون فيها ويموتون بها مثل ملاك الأرض الغائبين على مستوى الدولة. (7)

الولاء للغرب، إذ إنها تدور في فلك الأجنبي، وتمثل مراكز الاستعمار الثقافي في البلاد، هم النخبة السياسية والثقافية والاجتماعية، أجانب ومصريون متأوربون، وأول من يجرفهم التيار في الثورة الوطنية كما حدث في مصر في ثورة 1952م. فقد كان «طرد الأجانب» باستمرار أحد المطالب الوطنية كما حدث في ثورة عرابي. (ج) دور الحداثة

بالرغم من سلبيات الحداثة في مظاهرها ومخاطرها، فقد كان لها بعض الدور مثل: (1)

تعليم جيل في التخصصات الدقيقة كان له فاعلية وأثر على حياة البلاد في العمران بوجه عام والحياة الثقافية بوجه خاص، فأنشئت المدن الجديدة، وأقيمت البنايات الحديثة، ومهدت الطرق، وشيدت الجسور والسدود، إما لبقايا من وطنية أو لخدمة الاقتصاد الغربي أو للسيطرة على ثروات البلاد. (2)

تعليم أجيال لاحقة من الوطنيين أصبح ولاء معظمهم للبلاد، فاتسعت قاعدة الفنيين والمتخصصين مما ساعد على إعداد «البناء التحتي» للبلاد، وظلت البلاد في هذا الصراع بين المتخصص غير الوطني والمتخصص الوطني أولا، ثم بين الوطني غير المتخصص بعد الثورة المصرية وغير الوطني وغير المتخصص في جيلنا هذا ثانيا بعد احتجاب مصر وظهور طبقة من غير الوطنيين وغير المتخصصين، لا أهل خبرة ولا أهل ثقة. (3)

كان المتأوربون نافذة لمصر خاصة وللأمة العربية عامة على العالم الخارجي. فمن خلالها اطلع الوطنيون على مظاهر التقدم الأوروبي؛ مما أوحى لبعض الحكام جعل مصر «قطعة من أوروبا»، وكما حاول الغرب الشيء نفسه مع إيران قبل الثورة، فقد كانوا صحفيين ومفكرين وساسة ورحالة، ولكن كان معظمهم علماء ومهندسين وفنيين. (4)

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٣٠