تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6 (7)

تجنيد الجماهير ضد السلبية واللامبالاة. وهذه قضية قد لا تبدو فلسفية في ظاهرها، إلا أنها في حقيقة الأمر قضية فلسفية بالأصالة. فالفكرة ليست تصورا فارغا، بل قدرة على تحريك الناس، وإلا فلماذا انضم الشباب إلى الماركسية ووجدوا فيها وحدة النظر والعمل. ليس المفكر فكره فقط بل جمهوره، وليس نظرياته فقط بل أمته التي يتحدث إليها ويعمل من أجلها. ولطالما اشتكينا في واقعنا المعاصر من سلبية الجماهير، وعدم تحريكها، وعزلة المثقفين عنها. لقد قاد موسى أمته إلى الخارج، وقاد محمد أمته إلى الداخل، وكان المفكرون في الغرب وراء التاريخ والسياسة: أرسطو والإسكندر، غاريبالدي وماتزيني، هيجل وبسمارك، فولتير والثورة الفرنسية، وابن خلدون وتيمورلنك، ولطالما تحدث الفلاسفة عن «ثورة الجماهير» (أورتيجا أي جاسيه).

| سابعا: خاتمة

لا يعني الفيلسوف عندنا إذن صاحب المنصب الشامخ بمعنى كانط وهيجل؛ فهذه المذاهب قد نشأت في ظروف خاصة، وبعد تعرية العالم من أغطيته النظرية الموروثة. إننا لم نمر بعد في هذه الظروف، ولم تحدث عندنا بعد عملية التعرية المشار إليها. ولا يعني الفيلسوف عندنا، مرة أخرى، من يتساءل عن معاني الحياة والوجود الإنساني كما هو الحال في الفلسفة المعاصرة. فقد نشأ ذلك في الغرب بعد أن احتوت المذاهب حياة الإنسان واعتبرته جزءا من كل، ترسا في آلة كبيرة، وليست هذه قضية الإنسان عندنا، قضيتنا غياب الإنسان كله، وما زلنا ندرس «الله» عند الكندي والفارابي وابن سينا. ليس الفيلسوف كل من ادعى رأيا أو من صاغ نظرية من إبداعه أو تقليدا للآخرين: قدماء أو محدثين؛ فالآراء الأصيلة لا يمكن أن توجد لأن الغطاء النظري الموروث ما زال واردا، والغطاء النظري الحديث مزاحم له. ولا يوجد الرأي الأصلي إلا عند بعض الفئات القليلة خاصة في المجال العلمي والتقني والفني. ولكن النملة لا تزاحم فيلا، والفأر لا يزحزح أسدا. وعادة ما يكون أصحاب الموقف دعاة ظهور، وأصحاب بطولات فردية، وليس في الموقف نزال، لكنه يتجاوز مبارزة الشجعان.

الفيلسوف هو صاحب الموقف الحضاري الذي يأخذ موقفا من التراث القديم ويأخذ موقفا نقديا من الموروث حتى يزحزح الغطاء النظري القديم من أجل تنظير آخر، آخذا العقل والطبيعة كمحورين في العلم الجديد. الفيلسوف كل من يأخذ موقفا من التراث الغربي رادا إياه إلى داخل حدوده الطبيعية، محجما إياه بعد أن ظهر على امتداد مائتي عام خطورة وضع نقل جديد فوق نقل قديم، إذ ازداد العقل المعاصر ثقلا فوق ثقل، وأصبح لا فرق هناك بين من يقول: قال ابن تيمية وبين من يقول: قال كارل ماركس، أو بين من يقول: قال الله والرسول وبين من يقول: قال ديكارت وكانط. الفيلسوف كل من يحاول التنظير المباشر للواقع محاولا التعرف على مكوناته، مبدعا، دارسا الأشياء، محللا للظواهر قدر الإمكان، قاصدا إلى الأشياء ذاتها، متخليا عن المنقول إلى المعقول، وواصلا إلى المعقول من المشاهدة والحس والتجربة. إنه كل من يحاول سبر غور الواقع محصيا إياه، عدا عدا، فلا فكر إلا من واقع، ولا ثقافة إلا من شعب. الفيلسوف إذن هو صاحب الموقف الحضاري في أحد أبعاده الثلاثة أو فيها كلها، فهي مترابطة فيما بينها. والموقف من التراث القديم محاولة للمساهمة في حل أزمة العصر كما يفرضها الواقع مع التقليل من مخاطر الغزو الثقافي الغربي. والموقف من التراث الغربي هو في الوقت نفسه تحرير للذهن من النقل وإفساح المجال للإبداع الذاتي التزاما بقضايا الواقع، واكتشافا للتواصل التاريخي بين الماضي والحاضر، وعودة للتراث القديم بعد أن تمت إزاحته جانبا في منافسة غير متكافئة الأطراف. والموقف من الواقع هو في حقيقة الأمر موقف من التراثين: القديم والجديد، واللذين ما زالا يفعلان فيه، ويفرضان معلوماتهما عليه.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصر · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الأول): في الفكر الإسلامي المعاصرص ٢١