ويبدو أن صعوبة البحث ومظاهر الاضطراب فيه إنما تنشأ من عدم استقرار الباحث على علم معين يضع موضوعه فيه، علم الاجتماع أو علم التاريخ أو علم السياسة أو علوم الثقافة والحضارة. لقد حاول الباحث الجمع بين كل هذه العلوم وجعل الدراسة أقرب إلى علم الاجتماع التاريخي أو علم التاريخ الاجتماعي، مما جعله يستقر أخيرا على نهج التحليل الاجتماعي للتاريخ.
5
ومع ذلك فالمنهج كثيرا ما يتوارى أمام كثير من الأحكام المسبقة؛ مما جعل الكتاب يبعد عن العلم ويقرب من الأيديولوجيا، ويكشف عن موقف سياسي غير معلن تحت ستار أكاديمي معلن. ظهر الكتاب كله وكأنه خلط بين الموضوعية العلمية والرغبة في التأكيد على الذات، بين الوصف المتجرد والبحث عن الهوية. كما يكشف الكتاب أحيانا عن خلط بين وصف ما هو كائن والدعوة لما ينبغي أن يكون، مستعملا عبارات «يجب»، «لا بد».
6
وأخيرا يقع الكتاب في كثير من التعميمات والأحكام الجائرة تتعلق بالأخلاق الإسلامية وبالعالم المعاصر يأباها البحث العلمي الرصين.
7
| ثالثا: الأقسام الرئيسية
بعد مقدمة قصيرة (ص5-11) يتحدث فيها الباحث عن عمله كمغامرة، رابطا إياه بتجاربه الحية الفردية والاجتماعية، كاشفا عن بعض أحكامه المسبقة فيما يخص التمايز بين المشرق العربي والمغرب العربي، ومظهرا منذ البداية الإطار الثقافي الغربي والاستشراقي الذي يستند عليه تحليل موضوع الكتاب، وعارضا موجزا لأقسامه. ويضم الكتاب ستة موضوعات رئيسية:
الموضوع الأول «الشخصية العربية الإسلامية» (ص15-51) وهو أيضا العنوان الرئيسي للكتاب. ويشمل ثلاثة محاور: الأول «الإسلام والعروبة» (ص17-25)، ويعطي نموذج تونس المعاصرة وجدلية الانتماء الإسلامي والعروبة ثم يؤصل ذلك في المحور الثاني «القضية التاريخية» (ص26-32) ابتداء من الإسلام المبكر ومرورا بالعالمية العربية الإسلامية في العصر الأول حتى انشقاق العروبة عن الإسلام وتكوين مفهوم الشخصية الأيديولوجية الثقافية. ويركز المحور الثالث «الشخصية التاريخية والقومية» (33-51) ابتداء من الصراع بين الشخصيتين في أوروبا، ثم انتقالا إلى أصالة التطور في الميدان العربي، ومطبقا إياها على القومية الحديثة في المغرب، ثم محاولا التعميم من جديد على التاريخ والوعي القومي، ومنتهيا بحكم عام على الازدواجية العربية.
والموضوع الثاني «نحو مصير مشترك» (ص55-98) وهو العنوان الثاني الرئيسي في الكتاب «المصير العربي». ويدور أيضا حول محاور ثلاثة: الأول «الأيديولوجيا القومية العربية» (ص57-69) ممثلة أولا في البعث، عرضا لفكر ميشيل عفلق ثم نقدا له، وثانيا في الناصرية. والمحور الثاني «في سبيل التوحيد» (ص70-81) عن الوحدة العربية دفاعا عن بعدها التاريخي والثقافي وضرورتها للتنمية الاقتصادية وأهميتها في التربية الأخلاقية والبشرية. والمحور الثالث «المقاومات المستقبلية» (ص82-98) يعرض لصعوبات المشروع الوحدوي ولحالته الراهنة بين التجمعات الإقليمية وطموحات الوحدة الكاملة.
والموضوع الثالث «جدلية الاستمرار والتغير» (ص101-108) وهو أصغر الأجزاء يتناول الموضوعات السابقة نفسها، الشخصية والمصير، والبحث عن الأيديولوجيا.
والموضوع الرابع «الإصلاح والتجديد في الدين» (ص111-142) يقوم على محورين: الأول «الإصلاح» (ص111-120) ويتركز حول شروط العلمانية ونقد الاتجاه الإصلاحي والتحديثي، ويعرض للعلمنة والتشريعية وتحرير الأخلاقية والصلة بين الدين والدولة. والمحور الثاني «تجديد الرؤية للإيمان» (ص121-142) يبين تاريخية الدين والتفسير الفلسفي للإسلام والقراءة الميتافيزيقية للقرآن. ثم يحاول أن يعبر عن روح الإسلام ويحدد مصير مؤسسه!
والموضوع الخامس «الإنسان العربي المسلم» (ص145-181) يقوم على محورين: الأول التفرقة بين «النقد الذاتي والاستنقاصات الذاتية» (ص145-154)، الأول مجرد نقد ذاتي بينما الثاني استنقاص استعماري للشخصية النفسية كما حدث في المغرب العربي. والمحور الثاني «الشخصية الأساسية» (ص155-181) وهو تطبيق على الشخصية التونسية ومؤسساتها الأولية ابتداء من نهاية العصر الاستعماري حتى التغيرات الراهنة، ثم تعميم التجربة التونسية على الشخصية العربية.