Solidarisme . ثم يبرز الديماغوجيون فيقضون على الحضارة كلها إذ ان الديماغوجية هي عدم شعور بمسئولية الديماغوجي عن آرائه وأفكاره التي لم يبدعها هو بل تلقفها من الصفوة. الديماغوجية عند أورتيجا هي إحدى صور الانحطاط العقلي. هي شر مركب في الطبيعة الإنسانية، تظهر في الإنسان الجماهيري. والحقيقة أن هناك فرقا بين الديماغوجية والثورة. الأولى تحريض للجماهير والثانية تحقيق علمي لحركاتها. إن ثورات العصر ليست مجرد تحريض ديماغوجي أو تمرد وعصيان بل هي ثورات لها أصولها التاريخية في الأوضاع الطبقية للطبقات الكادحة في البلاد النامية في هذا القرن وردود فعل على المجتمعات الصناعية المتقدمة في النظم الرأسمالية خاصة في القرن الماضي. ومهمة الحزب الشعبي أو التنظيم السياسي أو طلائع الجماهير تحويل التمرد إلى ثورة وإعطاء البعد التاريخي لحركة الجماهير.
وينكر أورتيجا على الفكر الاجتماعي مفهوم المجتمع أو الجماعة. فقد خلط الفكر الحديث، في رأيه، بين المجتمع
Société
وبين المشاركة
Association . فنحن لا نعيش في مجتمع بل في مشاركات، وهي نفس التفرقة المشهورة عند تونيس
Tönnies
بين المجتمع
Geselchaft
والجماعة
Gemeinschaft . الأولى عامة مجردة، لا شخصية، والثانية خاصة وعيانية وشخصية. كما يرفض أورتيجا نظرية العقد الاجتماعي عند اسبينوزا وروسو باعتباره اجتماع إرادات لأن المجتمع مشاركة في كيان الفرد دون تنازل عن إرادته وسلطته. وهنا يبدو أورتيجا رافضا للتصور الاستقرائي للعقد الاجتماعي، أي الصعود من إرادات الأفراد إلى إرادة الجماعة مفضلا التصور الاستنباطي، أي وجود المجتمع المسبق في صورة مشاركة في بنية الفرد. الجمهور بعد للفرد. كما أن القانون ليس تعبيرا عن إرادة جماعية بل هو تعبير عن العقل الحيوي في الأفراد. بهذه التحليلات الجديدة يحاول أورتيجا المساهمة في تقدم العلوم الاجتماعية التي تخلفت عن العلوم الطبيعية في الغرب.
وينتقل أورتيجا من علم الاجتماع إلى علم السياسة وتتحول القضية من الفرد والجماعة أو الصفوة والجماهير إلى قضية الليبرالية والنظم الجماعية وفي مقدمتها الاشتراكية وبنفس التمايز والتقابل والتضاد. وقد ظهر كلا المذهبين في الوعي الأوروبي؛ فالليبرالية الفردية تنتمي في رأي أورتيجا إلى القرن الثامن عشر. وهي التي ألهمت الثورة الفرنسية وانتهت بنهايتها. أما الجماعية
Collectivisme
فقد ظهرت أيضا ابتداء من القرن الثامن عشر ثم تحولت إلى اتجاه رجعي محافظ على أيدي دي بونالد
De Bonald ، ودي ميستر
De Maistre
حتى سان سيمون
Saint-Simon
وبلانش
Blanche
وكومت
Comte
في القرن التاسع عشر. ثم أتى آمار
Amar
وتحدث عن الجمعية
Collectism
في مقابل الشخصانية
Personalism ، وجعلها ضد الفردية؛ وبالتالي استقر في الوعي الأوروبي هذا التعارض بين الفردية والجماعية، بين الليبرالية والاشتراكية. والحقيقة أن أورتيجا بهذا التاريخ المبتسر للفكر السياسي الأوروبي قد أغفل تطورات عديدة له ومذاهب أخرى فيه ومحاولات الجمع بين الاثنين. فقد استمر الاتجاه التحرري الليبرالي في القرن التاسع عشر عند مل
J. S. Mill ، وتحدث سبنسر
Spencer
عن الفرد باسم الجماعة. وماذا عن ماركس والمذاهب الاجتماعية التي أعطت للمذاهب الجماعية طابعا تقدميا؟ ولا يخفي أورتيجا تأييده للمذاهب الفردية ضد المذاهب الجماعية لأن الجماهير عاجزة عن أن ترتقي إلى حياة الفردية والشخصانية. يعادي أورتيجا الاتجاهات الجماعية لأنها في رأيه تمنع الاتجاه التحرري. وهو النقد الشائع الذي توجهه الرأسمالية إلى النظم الاشتراكية والذي يمكن لأجله وصف بعض فلاسفة الوجود بالرجعية والتعبير عن النظم الرأسمالية وحب الغرب. والحقيقة أن الجماهير ما زالت مسيرة للنظام الرأسمالي في الغرب تحسب الصفوة حسابها. وكثيرا ما تنفجر الجماهير في النظم الرأسمالية فتتكيف هذه طبقا لها، وكما حدث في ثورات الشباب في العالم في مايو 1968م وكما حدث في الحركات الشعبية في النظم الرأسمالية التابعة في إيران 1979م، والسودان 1986م، والفلبين 1986م، وكوريا الجنوبية 1987م.