المنفعة هي الأساس الأقصى في اليهودية. إن الإيمان بالعناية والإيمان بالمعجزة يقومان أيضا على المصلحة الشخصية، فلا توجد معجزة مضادة لمن يؤمن بها. أصبحت الطبيعة موضوعا للحكم الحر وللفعل الأناني الذي يصدق عليها: تحول الماء إلى جامد، والتراب إلى قمل، والعصا إلى ثعبان، والنهر إلى دم، والحجر إلى ماء، والشمس تقف أو تسير إلى الخلف، كل ذلك يحدث لمصلحة إسرائيل بإمرة «ياهوه» الذي لا يهتم إلا بإسرائيل، أنانية مشخصنة لشعب إسرائيل مستبعدة كل الشعوب الأخرى مع التعصب المطلق لإله إسرائيل. وبينما كان اليونان يدركون الطبيعة بحسهم النظري ويسمعون أنغاما سماوية في حركة الكواكب، لم يتعامل الإسرائيليون مع الطبيعة إلا بحسهم المعوي أي ببطونهم، ولم يدركوا الله إلا بمتعتهم بأكل المن. بينما كان اليوناني يدرس الإنسانيات، الفنون الحرة وعلى رأسها الفلسفة، كان الإسرائيلي يعكف على دراسة الطعام لاهوتيا «بين المساءين يجوز أكل اللحم، وفي الصباح تشبع بالخبز وتعلم أنني الرب إلهك.» ويدعو يعقوب أنه إذا ما حرسه الله وهو في الطريق، وإذا ما أعطاه خبزا ليأكل ولباسا ليلبس، وإذا ما أوصله سالما لأبيه إذن يكون الله ربه. الطعام أهم عمل ديني في اليهودية، وبالطعام يحتفل الإسرائيلي بفعل الخلق «ورأى الإسرائيليون الله، وبعد ذلك أكلوا وشربوا.» وهم على هذا الحال حتى الآن، يعطيهم الله المنفعة، ويتمثلون الأنانية في ثوبها الديني. الله هو الأنانية التي لا تسمح بفناء عبادها. الأنانية في جوهرها توحيد، الواحد الأنا، الإنسان حول الإنسان. لا ينشأ الفن إلا في كنف تعدد الآلهة لأن تعدد الآلهة ضد الأنانية. الطبيعة عند العبرانيين نتيجة لكلمة تسلطية، لأمر مطلق، ولقرار سحري. كل ذلك ضد العقل، وهدم له، وضياع للنظر. أما قدم العالم عند الفلاسفة الوثنيين فيعني أن الطبيعة لها مدلول نظري لأنهم يتأملون الطبيعة ولا ينتفعون منها كما يفعل المسيحيون المعاصرون الذين يأخذون الطبيعة موضوعا لأبحاثهم. إن عبادة الطبيعة هي صورة لتأمل الطبيعة وكلاهما لا ينفصلان، فدراسة الطبيعة عبادة الطبيعة. الوثنية بداية البدائية الطبيعية وبالتالي فالخلق من عدم ليس موضوعا للفلسفة لأنه يقضي على التأمل من أساسه بالإضافة إلى أنها نظرية غير متسقة مع نفسها من الناحية النظرية، وتؤكد المنفعة والأنانية، ولا تحتوي إلا على أمر، ليست موضوعا للتأمل بل موضوع للمنفعة واللذة. هي فارغة بالنسبة للفلسفة التأملية. وخطؤها في أنها ترى الله هو الأول، والإنسان هو الثاني فتغلب الوضع الطبيعي للأشياء. في حين أن الإنسان هو الأول، وماهية الإنسان التي تتموضع أي الله هو الثاني.
يخلق الإنسان الله على صورته ومثاله بغير إرادته وعلى غير وعي منه، ثم يخلق الله الإنسان على صورته ومثاله بإرادته وبوعي منه. قوانين الطبيعة هي قوانين الله لمصلحة بني إسرائيل، والأرض تدور حول التوراة عند فيلون. لقد أعطى الله لموسى قدرة على الطبيعة من أجل الخلاص العام لبني إسرائيل. هو نار الغضب والانتقام المدمر، الله هو الإسرائيلي بقوة الطبيعة في قوة الله أي بقوة الله أي بقوة أناه ووعيه بذاته. الله هو الذات، أنا إسرائيل. الله خلاصنا، الله قوتنا، الله يطيع البطل يشوع لأن الله يحارب مع إسرائيل. فالله إله محارب. أما الله العام، إله يونس فلم يكن يعبر عن دين إسرائيل. (11)
القادر قدرة مطلقة في العاطفة أو سر الصلاة:
إن وعي إسرائيل هو نموذج الوعي الديني باستثناء المصلحة الوطنية. ويكفي إسقاط حدودها حتى ترى الدين المسيحي. اليهودية هي المسيحية الأرضية والمسيحية هي اليهودية الروحية. المسيحية هي اليهودية بعد تطهرها من الأنانية الوطنية وهي في الوقت نفسه دين جديد لأن كل تطهير يعبر عن رؤية جديدة. في اليهودية الإسرائيلي هو الواسطة بين الإنسان والله، ولم يكن «ياهوه» إلا شعور الإسرائيلي بذاته بعد أن تموضع في موجود مطلق وفي وعي وطني وفي قانون شامل وفي مركز سياسي. بعد إسقاط الحدود الوطنية يصبح الإنسان من حيث هو إنسان هو الواسطة بين الإنسان والله. وكما يضع الإسرائيلي ذاته يضع المسيحي ذاته في الإنسان المتحرر، وكما يضع الإسرائيلي احتياجاته كذلك يفعل المسيحي. فهناك معجزات في المسيحية مشابهة للمعجزات في اليهودية، ليس الهدف فيها مصلحة الأمة بل خير الإنسان. المؤمن هو المسيحي فحسب وليس الإنسان العام الحقيقي. لقد دخلت المسيحية الروحانية في الأنانية اليهودية برفعها إلى الذاتية حتى ولو تحولت الذاتية إلى أنانية مسيحية أخرى. حولت المسيحية الخير الأرضي إلى هناء سماوي. لقد تركز إله الشعب السياسي في اليهودية، في التوراة، وهو المطلق الإلهي، ولكن في المسيحية تحول القانون إلى الحب، الحب الذي يقتضي التضحية بكل شيء من أجل الحبيب. الله هو الحب الذي يشبع رغبات الإنسان، هو يقين القلب وتأكيد الذات. ولا توجد حدود في الحب، بل هو المطلق اللانهائي. العاطفة إذن هي إله الإنسان، والله هو تمني القلب. والصلاة هي التي تسمع العاطفة التي تدرك ذاته. هي مدى الأنا الداخلية، يتخارج الألم فيها كما هو الحال مع قيثارة الفنان فيمحو الألم ويتحول إلى لحن، ويصبح الألم ماهية شاملة. ولما كانت الطبيعة لا تستمع إلى آلام الإنسان فإنها تتحول إلى الطبيعة اللامرئية، إلى الطبيعة الباطنية، يشكو إليها الإنسان آلامه، فيتخفف منها بهذا العزاء القلبي، بهذا التعبير عن الألم وهذا هو سر الله. الله دمعة حب تذرف سرا على الشقاء الإنساني. الله تنهد دفين في قرار النفس. وهنا تولد دلالة الصلاة، وهي ليست أقل من دلالة التجسد، صلاة الحب والألم. ففي الصلاة يحادث الإنسان الله ويسميه أنت. فالله هو الآخر المغاير، الأنا الآخر، يعترف الإنسان له كما يعترف أمام ماهيته الخاصة، ويعبر أمامه عن أفكاره الخاصة التي يخجل عن التعبير عنها أمام الناس. الصلاة هي التماثل بين الذاتي والموضوعي. الصلاة هي صلة القلب الإنساني مع ذاته وفيها ينسى الإنسان أن هناك حدودا لرغباته، ويعيش في سعادة بنسيانه هذه الحدود. الصلاة هي قسمة الإنسان لذاته إلى قسمين، انقلاب الإنسان على ذاته، وعلى قلبه. والكلمة اللاتينية