تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإنسان إذن مجموعة من الصفات أو الملكات؛ الصفاء، العقلانية، النزاهة في المسرات والانفعالات، ولكن الإنسان يرى، والعين ترى ماهيتها، وكأن الفلاسفة علماء فلك من أجل العين، فالعين هي الطبيعة السماوية، ولكن العاطفة هي الملكة الأساسية في الدين، ولا تعبر ماهية الله إلا عن ماهية العاطفة. العاطفة هي «العضو الإلهي». العاطفة هي النبل والعظمة أي الإلهي في الإنسان. والله هو العاطفة الخالصة اللانهائية الحرة. العاطفة ملحدة من وجهة نظر الأرثوذكسية لأنها ترفض الله الموضوعي، وتجعل نفسها هو الله. والحقيقة أن نفي العاطفة نفي لله، وهذا هو الإلحاد الديني. وما يقال عن العاطفة يقال على باقي الملكات في الإنسان: العقل والإرادة.

من هذا التحليل الذي يبدو فيه فيورباخ معاصرا للغاية، هيجليا امتدادا لبرجسون ونيتشه وهوسرل وهيدجر، يوحد بين الذات والموضوع ، بين الفكر والواقع، بين الماهية والوجود، يهدف فيورباخ إلى وصف الإنسان الحقيقي قبل أن يتزيف ويغترب عندما يكون واعيا بذاته في وحدته الداخلية قبل أن يفصمها الاغتراب الديني، ويبدأ بالعاطفة وهي نقطة البداية في الاغتراب والتي من خلالها يحدث الانفصام والوقوع في الوهم، وهو ما ظهر بالتفصيل عند شليرماخر في «مقال في الدين».

فإذا كانت ماهية الإنسان هي أنه وعي يتحد الذات فيه بالموضوع فما هو جوهر الدين؟ في ماهية الإنسان بوجه عام تم تحديد علاقة الإنسان بالموضوع بوجه عام، ولكن ما هي علاقة الإنسان بالموضوع الديني بوجه خاص؟ في علاقة الإنسان بالموضوعات لا ينفصل الوعي بالذات عن الوعي بالموضوع، ولكن في حالة الموضوع الديني يتحد الوعي مباشرة بالوعي بالذات. فإذا وجد الموضوع الحسي خارج الإنسان فإن الموضوع الديني يوجد في داخله. وهو كما يقول أوغسطين أسهل في معرفته من الموضوعات الخارجية. الموضوع الخارجي محايد ومستقل عن الاعتقاد والحكم، في حين أن موضوع الدين موضوع اختيار الموجود الأول، الأفضل والأسمى، ويتضمن حكما نقديا يقوم على التمييز بين الإلهي واللاإلهي. وهنا تبدو أهمية قضية أن موضوع الإنسان ليس إلا الماهية الموضوعية ذاتها. الوعي بالله إذن هو وعي الإنسان بذاته، ومعرفة الله هي معرفة الإنسان بذاته. ابتداء من الله تعرف نفسك، والعكس صحيح. كلاهما واحد.

إن الله بالنسبة للإنسان هو روحه ونفسه، والإنسان بالنسبة إلى نفسه هو الروح والنفس والقلب، وهذا إله. الله هو الداخلية التي تظهر في الإنسان. والدين هو ظهور كنوز الإنسان، الاعتراف بأخطاره الزمنية، والإقرار العلني بأسرار الحب.

وقد لا يشعر الإنسان أن وعيه بالله هو وعيه بذاته؛ لذلك يمكن القول بأن الدين هو وعي الإنسان بذاته على نحو غير مباشر؛ ولذلك أيضا سبق الدين الفلسفة وسبق الخارج الداخل. الدين هو ماهية الإنسانية وهي في دور طفولتها.

5

يرى الإنسان ماهيته خارجا عن ذاته؛ لذلك وقع الدين الأول في الوثنية وعبادة الأصنام؛ فقد عبد الإنسان ماهيته، وتموضع الإنسان دون أن يعي ماهيته. ثم تقدم الدين، أي تقدم الوعي بالذات، وعي الإنسان بذاته. فرفض الدين السابق متصورا أنه حصل على موضوع أسمى وأعلى من قوانين الطبيعة، ويتصور أنه من خارج الطبيعة مع أن الطبيعة هي الأساس. يرمي فيورباخ من ذلك إلى بيان أن التعارض بين الإلهي والإنساني مجرد وهم لأن الدين هو علاقة الإنسان بذاته، وذاته كموجود آخر، فالوجود الإلهي ليس إلا ماهية الإنسان مستقلة عن حدود الإنسان الفردي الواقعي الموضوعي المجسم. فكل تحديدات الوجود الإنساني هي تحديدات لماهية الإنسان. ولا يتعلق الأمر بالمحمولات فقط بل يمتد إلى الموضوع ذاته؛ وبالتالي فنفي الذات إلحاد ولا تدين أكثر من نفي الصفات، ولكن إلغاء الصفات إلغاء للذات لأن الصفات هي التي تحدث الأثر والفاعلية وكما تقول المعتزلة: نفي الصفات نفي للذات، والذات بلا صفات موجود غير موضوعي، والموجود غير الموضوعي عدم وجود. وعلى عكس إثبات الصفات ثم إثبات الذات، وكما تقول الأشاعرة، هذا النفي نتاج العصر الحديث.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٧٥