تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

كان فيورباخ بحق، وعلى ما يقول ماركس «قناة النار» كما يدل عليه اشتقاق الاسم «

Feuer, Feurbach = نار،

Bach = قناة» يتطهر من خلالها كل فيلسوف يريد الانتقال من المثالية إلى الواقعية، ولكن للأسف انتقل البعض منا إلى الماركسية دون أن يتطهر في «قناة النار»؛ ومن ثم تحولت الماركسية إما إلى دجماطيقية من داخلها أو عارضتها الدجماطيقية من خارجها ومنعتها من إحداث الأثر التنويري في أذهان الناس. إن المجتمع النامي الناهض الذي ينتقل من القديم إلى الجديد، ومن التسليم إلى التفكير، ومن الموروث إلى النقد في حاجة إلى تنوير أكثر مما هو في حاجة إلى تثوير؛ فالتنوير شرط التثوير، والتثوير بلا تنوير مجرد تغير اجتماعي أو انقلاب في الأوضاع تحدثه السلطة القائمة في المجتمع ويتغير بتغير السلطة؛ فهو تغير اجتماعي يقوم على أساس نظري متخلف، ولا بقاء له إلا ببقاء السلطة الضامنة له؛ وبالتالي يظل خارجيا لا يحدث أثرا فعليا لا يخلقه وعي ولا يخلق هو وعيا.

إن نقد ماركس للهيجليين اليساريين نشأ بعد أن تمثل الوعي الأوروبي كل القيم الليبرالية في القرن الثامن عشر وحدثت الثورة الفرنسية بشعاراتها الثلاث؛ الحرية والإخاء والمساواة. تصور الهيجليون الشبان أن الأيديولوجية يمكن أن تظل العامل الأول لتحقيق الأهداف القومية مثل الوحدة الألمانية، تحرر الأقليات المضطهدة (اليهود)، إعادة بناء المواطن؛ وبالتالي يمثل نقد ماركس للهيجليين اليساريين تقدما بالنسبة لليبرالية وذلك بعبارته المشهورة: «إن الحزب البروليتاري هو الوريث الوحيد للأفكار.» وذلك لأن أفكار الحرية والعدالة والمساواة والوعي الذاتي والفردية لا تحدث بذاتها تغييرا اجتماعيا دون عمل جماعي يحققها بالفعل. فالحزب البروليتاري هو الذي سيربط الجرس في رقبة القط أي أنه هو الذي سيحقق بالفعل هذه الأفكار في الواقع العملي. (أما بالنسبة لنا فإننا لم نتمثل الليبرالية بعد، ولم نتحقق بمثلها، ولم تحدث الأفكار الأثر المرجو في نهضتنا المعاصرة. لم تحدث لدينا ثورة فرنسية قامت على أكتاف المفكرين الأحرار بل قامت ثوراتنا على أيدي الضباط الأحرار فحدث تغير في الهيكل الاجتماعي دون إحداث تغيير مواز في البناء الفوقي، مما أدى إلى انتكاس معظمها؛ ومن ثم فإن نقد ماركس للهيجليين الشبان يصبح غير ذي موضوع بالنسبة لجيلنا الحالي. ويظل الهيجليون الشبان بالنسبة لجيلنا يعبرون عن لحظتنا التاريخية الراهنة في التحديث وإقامة أسس النهضة.)

ويمتاز فيورباخ عن أقرانه بأنه أوقعهم صدى، وأبلغهم أثرا، وأكثرهم تحديا مثل اسبينوزا في القرن السابع عشر وفولتير في القرن الثامن عشر (وقد يصعب الحديث عن فيورباخ من فيورباخي، وعن الهيجليين الشبان من هيجلي شاب؛ فلذلك ميزة وعيب، ميزة الاتحاد مع الموضوع وفهمه من الداخل، وعيب استحالة التفرقة بين العرض والتحليل، بين فيورباخ الموضوع وفيورباخ الباحث في عصر يحتاج إلى فيورباخ). ومع ذلك فقد تناولت هذه الدراسة عرض «الاغتراب الديني عند فيورباخ» من خلال تحليل مؤلفه الأساسي «جوهر المسيحية»، فالأفكار كلها فيورباخ مسئول عنها وليس للباحث إلا التحليل والشرح والعرض والتأويل (كما فعل فلاسفة المسلمين مع فلاسفة اليونان بوجه عام وكما فعل ابن رشد مع أرسطو خاصة). ولم نشأ عقد مقدمة عن حياة فيورباخ وأعماله فذلك ما سيتم في دراسة مستقلة عن قريب.

2

واقتصرنا على عرض «جوهر المسيحية» للكشف عن الاغتراب الديني الذي هو أساس الاغتراب الاجتماعي. وأكرر وأقول: ليس الباحث مسئولا عن أفكار فيورباخ بل المسئولية تقع على عاتق فيورباخ وحده.

ظهرت الطبعة الأولى لكتاب فيورباخ «جوهر المسيحية» في 1841م والطبعة الثانية في 1843م. وأصبحت مقدمة كل طبعة من الذيوع والشهرة لدرجة أن كلا منهما تمثل عملا فلسفيا بمفرده.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٦٩