ويدلل فيكو على المراحل الثلاث بمزيد من البراهين المستمدة من التطور الزماني والسياسي؛ فالعصور نفسها تبدأ إلهية تحت حكم الدين ثم حكم المدن وأخيرا يظهر الإنسان الطبيعي بتواضعه وعقله والقانون الطبيعي. وتطور النظم الأرستقراطية ذاتها من حراسة الحدود إلى حراسة النظم والمؤسسات إلى حراسة القوانين. كما تتطور النظم الدستورية من الأثقل إلى الأخف فيتم تخفيف العقوبات، وتمحي الحروب تدريجيا ويعم السلام بين الشعوب. فالتطور يسير نحو الإنسانية. والحقيقة أن المراحل الثلاث كلها تعبر عن ثلاثة معاني للإنسان، الإنسان الإلهي والإنسان البطولي والإنسان الإنساني. الإنسان يعني الإلهية أو البطولية أو الإنسانية. فقد يكون البطل والإنسان في مقابل الله، وقد يكون الإنسان في مقابل الله والبطل. الإنسان هو ما يصبحه الإنسان في المرحلة الثالثة.
ولكن لكل شعب أكثر من دورة وهو ما يسميه فيكو المسار الثاني للشعوب ويعرض له في الكتاب الخامس. فالإنسانية بين مد وجزر. تكون الدورة الأولى طبيعية، وتكون الدورة الثانية تاريخا. الدورة الأولى حكم والثانية نقض وإبرام! فالمسار الأول ليس له الكلمة الأخيرة لأن تاريخ العالم له الكلمة الأخيرة؛ فتاريخ العالم هو الحكم النهائي والقضاء أخيرا كما هو الحال في عبارة هيجل المشهورة
Welt Geschichte ist Weltgericht . فالمرحلة الأخيرة عند كل شعب لا تدوم إذ لا يلبث الفناء أن يدب إليها، فالترف وحب المال وسيادة الأنانية كل ذلك يسبب ظهور الطبقات الاجتماعية وإفساد النظم السياسية، ولا يقوى المجتمع حينئذ أمام الغزوات الخارجية فينهزم ويعود إلى حالة التوحش والبربرية، ولكنه لا يبدأ من حيث انتهى بل يستفيد من تجاربه السابقة، ويبدأ من نقطة أكثر تقدما من النقطة الأولى التي بدأ منها أولا؛ وبالتالي يكون التقدم عند فيكو دائريا ومستقيما في آن واحد، وهو التصور الحلزوني لتقدم التاريخ، أي التصور الدائري الصاعد إلى أعلى يجمع بين الدائرة والخط، وتعود كل المؤسسات والنظم والعادات والتقاليد واللغات والقوانين تأخذ دوراتها الثلاث من جديد، ولكن هذه المرة تكون المرحلة الإلهية أقصر من الدورة الأولى، وتكون المرحلة البطولية أطول من الدورة الأولى، وتكون المرحلة الإنسانية أطول بكثير من المرحلة الأولى. ولا يتساءل فيكو: وبعد الدورات الثالثة والرابعة والخامسة ... إلخ هل يمكن أن تتقلص المرحلة الإلهية إلى الصفر، والمرحلة البطولية إلى أصغر مدة ممكنة وتمتد المرحلة الإنسانية كل الوقت؟ أو هل يمكن أن تتقلص المرحلتان الإلهية والبطولية وأن تعيش الإنسانية مرحلة الإنسانية إلى نهاية الزمان؟ يبدو أن المراحل الثلاث ضرورية وحتمية وأنها في كل دورة تبقى في النوع، ويكون الخلاف فقط في طول المدة أو قصرها.
ويعطي فيكو أمثلة لهذه الدورات؛ ففي الحضارة اليونانية تظهر المرحلة الدينية عند هوميروس، والبطولية في إسبرطة والإنسانية في أثينا حيث ازدهرت النزعة الإنسانية والحياة الديموقراطية. وفي الحضارة الرومانية تظهر المرحلة الدينية عند رؤساء العشائر وفي تقديس الآباء، والبطولية عند نشأة الصراع بين العامة والأمراء، والإنسانية عند قيام الجمهورية وإعلان الحقوق الإنسانية العامة. وفي الحضارة الغربية تظهر المرحلة الدينية منذ القرن الخامس الميلادي بعد غزو البرابرة الإمبراطورية الرومانية حيث سقطت روما وعادت إلى مرحلة الدين والتأليه، والبطولية في عصر الإقطاع والفروسية والحرب في العصر الوسيط، والإنسانية في عصر النهضة وظهور النزعة الإنسانية. ولا ينسى فيكو ذكر الشعوب غير الأوروبية أيضا ومراحل تطورها، فتظهر المرحلة الدينية في روسيا نظرا لإيمانها الشديد وتسلط القياصرة بالإضافة إلى بلادة شعوبها وكسلها وتواكلها، ويشاركها بلاد التتار والصين والحبشة ومراكش! وتظهر المرحلة البطولية في اليابان لما عرف عنها من شيم البطولية والتضحية، والإنسانية لدى الشعب البولوني والشعب البريطاني. ويلاحظ أن الشرق عند فيكو هو كل ما ليس بأوروبا بما في ذلك آسيا وأفريقيا والجزيرة البريطانية وبولونيا، وأنه استبعد روسيا وبريطانيا من أوروبا، وأنه وضع الصين والتتار والحبشة ومراكش كل ذلك في الشرق دون تفرقة بين الشرق الآسيوي في الصين والتتار، والشرق الأفريقي في الحبشة ومراكش.