Onomatopia . ثم نشأت الكلمات من وضع الضمائر من الأصوات التي تدخل على انفعالات الإنسان بمفرده، المتكلم والمخاطب والغائب، وهي أيضا أحادية المقطع، ثم نشأت الأدوات أيضا أحادية المقطع والحروف ثم الأسماء ثم أخيرا الأفعال لأنها تدل على الحركات وتضم الأزمنة، الماضي والحاضر والمستقبل. كذلك نشأ الأسلوب الشعري، الاستطراد، والقلب، والإيقاع، والأوزان، وأنواع الشعر واستعملته الشعوب بسبب عجز اللغة عن التعبير؛ لذلك امتلأ الأسلوب الشعري بالصور والخيالات والتمثيلات والمقارنات والاستعارات والحسيات والتكرار . ومن اللغة نشأ القانون؛ فقد استعملت الحروف والأسماء والشارات والعلامات والرموز لتأكيد الملكية وتمييز بقعة عن بقعة وإحاطة الممتلكات بالأسوار ثم استعملت القوانين بعد ذلك لأداء نفس الوظيفة. وبعد ذلك نشأ منطق المتعلمين. وأعطى الحكماء الأسماء الطبيعية للأشياء، فالاسم
Name
والميلاد
Naitre
من نفس الاشتقاق وكذلك الطبيعة
Nature . وقد تعاملوا أولا مع الموضوعات الحسية ثم بعد ذلك نشأت الأنواع والأجناس؛ فالحس أولى مراحل الإنسانية يتلوه العقل ثم التصنيف والجمع. وبالرغم من ظهور العناية الإلهية لتصريف أمور الدنيا واستقراء تاريخ الفكر البشري إلا أن هناك قانونا عاما وشاملا للإنسانية.
والأخلاق الشعرية تبين نشأة الفضائل الشعبية التي يعلمها الدين من خلال نظام الأسرة من خلال فكرة الله. فالله يظهر في سلوك الأفراد والجماعات في صورة أخلاق بناء على الخوف. فالسماء ملجأ الانفعالات وملاذ الخائفين ومصدر قوة للمستضعفين. تبدأ الفضائل الخلقية إذن بالدوافع والانفعالات، وتتكون لحماية الناس. وهنا يظهر الزواج كطريق طاهر وشريف للعلاقات الجنسية تحت رعاية الله. فمن رعاية الله تدخل المرأة إلى منزل الرجل وأسرته، وتتحجب وتتحدث من وراء ستار، ويأخذها الرجل بالقوة كما كان يفعل العمالقة من قبل باستيلائهم على النساء ومباشرتهن في الكهوف. فالأخلاق والدين وسيلتان لتهذيب الناس وجعلهم حذرين باتخاذ نصائح من الله، وعادلين مع أنفسهم ومع الله، ومعتدلين راضين بامرأة واحدة طوال عمرهم المديد، وأقوياء عاملين وعظماء. ثم ظهرت عادة تقديم القرابين البشرية للآلهة حيث كان يسود التعصب والخرافة.
والاقتصاد الشعري يكشف عن أن الأسر الأولى كانت تضم الأطفال فقط؛ فقد كان الآباء الأبطال يعيشون على الطبيعة كما كان الحكماء تحت رعاية الحكمة، وكان الرهبان يقدمون القرابين، وكان الملوك يستمدون القوانين إلى أسرهم من الآلهة؛ فقد بدأ الملوك أنظمة حكمهم بالاعتماد على العشائر وليس أسرهم الخاصة، وبدءوا في تربية أبنائهم وترك رزقهم لهم، والاستقلال التام لهم. وفي نظام الأمومة توجد الصداقة الحقة وتتم عملية تأنيس البشر. يحقق هذا النظام ثلاثة أهداف؛ الشريف والنافع والمبهج وكل ذلك تحت مظلة الدين ولاستمرار الجنس البشري. وكان أبناء العشائر عبيدا باستثناء أبناء الأبطال فهم وحدهم أحرار. ومن العبيد بدأ الإقطاع واستثمار الأرض ومشاركة الأسر في عمل الأبطال وليس فقط في مكتسباتهم أو شرفهم. وعلى هذا النحو تأسست المدن والمستعمرات داخل الأرض ونشأت الملاجئ، واقتضت ظروف الحياة أن تكون المقايضة أول صور البيع والشراء. ولم يكن هناك إيجار للمنازل لصغر المدن بل كان الإقطاعيون يؤجرون أرضهم للبناء عليها لمدد طويلة. لم تكن المشاركة أو الوكالة معروفة عند القدماء، ولكن عرفت عقود البيع والشراء وختمها بالاتفاق المجرد إلى أن بدأ القانون في الظهور بشكل أسطوري.
والسياسة الشعرية تكشف عن أن أول نظام للحكم في العالم كان نظاما أرستقراطيا؛ فقد نشأ النظام العشائري بالأسر الصغيرة التي وضعها الأبطال تحت حمايتهم بالقوة أو بالإيمان، ولما تحرر الأبناء بعد موت الآباء أخذ كل ابن الأمر كله لنفسه. ثم اتحد الآباء الجدد فيما بينهم اتقاء لثورات العامة. لقد نشأ أول ملوك الدنيا بهذه الطريقة وعلى أكتافهم نشأت أول المدن. وبتعبير آخر إن كل نظم الحكم نشأت طبقا لمبادئ الإقطاع الأبدية إما ملكية الإنتاج أو ملكية الأرض أو ملكية الإقطاعيات. وقد انقسم الناس إلى نوعين؛ عامة تريد تغيير نظام الحكم ونبلاء يريدون المحافظة عليه. ويستمر فيكو في بيان نشأة النظم السياسية القديمة مثل الضرائب والخزانة والجمعيات التشريعية والطبقات الاجتماعية. كما يحاول بيان تطورها ابتداء من التربية الوحشية للعمالقة ثم شراء النساء بالمهور الغالية ثم إنجاب الأطفال وتزوج النساء لمنفعة الأزواج والآباء. كما يتحدث عن الألعاب الرياضية القديمة وأهمية السباق أو الحروب القديمة ونشأة العبودية.