تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هل الفلسفة هي فن الحياة والتكيف مع مطالبها ومقتضياتها من أجل البقاء والحرص على المنافع الخاصة والعامة دون طرح أي سؤال نظري؟ هل هي مجرد تسهيل للأمور، وتذليل للصعاب، وحل للمشاكل من أجل سير الحياة؟ ولكن البراجماتية ذاتها كانت رد فعل على الفلسفة باعتبارها بحثا عن الحقائق النظرية المجردة التي لا أثر لها في الحياة العملية؛ لذلك أسقطت من حسابها موضوع البحث النظري الخالص. وهو أيضا موقف برجسون من العقل والبحث النظري بل والدين الثابت

Statique ، فالهدف من ذلك كله هو التكيف مع الحياة. فالتصورات النظرية عند برجسون مجرد ظلال وأشباح للواقع، وليست الواقع نفسه الذي يتكيف الإنسان معه ويدركه بالحدس الوجداني، مجرد شيكات أو حوالات أو أذونات للصرف وليست رصيدا حقيقيا وثروة فعلية.

5

والحقيقة أنه يصعب تناول مشكلة العمل دون النظر، فالنظر هو أساس العمل؛ لذلك كتب كانط «نقد العقل العملي» لبحث المسائل النظرية لموضوعات العمل والسلوك، كما أن الاتجاهات العملية في الفلسفات كلها لم تسقط من حسابها البحث النظري، فسقراط كان يبحث عن المبادئ النظرية العامة للسلوك العملي. وكذلك كان أفلاطون وأرسطو. وظل الحال كذلك في العصر الوسيط بصرف النظر عن صواب هذه المبادئ النظرية أو خطئها (الخطيئة، الخلاص، الفداء ... إلخ). كما بحث ديكارت موضوع الصواب والخطأ في التأملات في الفلسفة الأولى وكذلك فعل اسبينوزا في «الأخلاق». بل إن «البراجماتية» عند «مل» تقوم على أساس تجريبي وهو بحث نظري وإن اختلف المنهج، ويقوم على استقصاء للعلل كما هو الحال عند علماء أصول الفقه في تراثنا، وهناك الاتجاهات العملية عند شيلر

F. C. S. Shiller

وبيرس

Ch. Pierce ، وبلوندل، وكلها تؤسس العمل على البحث النظري سواء في العلوم الإنسانية أو في العلوم الرياضية والطبيعية أو في العقيدة الدينية، بل إن الوجودية ذاتها، باعتبارها رد فعل على الفلسفات النظرية المجردة، لم تغفل الأسس النظرية للسلوك الفردي الاجتماعي كما هو واضح في «نقد العقل الجدلي» عند سارتر.

6

لقد انتهت الفلسفة عند اليونان بعد أن سادت الفلسفة بعد أرسطو المدارس الأخلاقية العملية كالرواقية والأبيقورية، وتحولت الفلسفة إلى بحث في السعادة واللذة وممارسات عملية في جماعات وحلقات دون طرح الأسس النظرية لهذا البحث. كما ماتت الفلسفة في أمريكا بعد النزعة البراجماتية الخالصة كما هو الحال عند وليم جيمس وجون ديوي، ما دامت الحقيقة هي مقدار ما تحدث من أثر في الحياة العملية. وأصبح يضرب بالمجتمع الأمريكي كله المثل في النزعة العملية وفي سطحية الفكر لولا هجرة بعض المفكرين الأوروبيين والقيام بحركة ثقافية علمية لطرح السؤال النظري.

7 (3)

هل الفلسفة تفكير على الدين، وتأييد لعقائده وخدمة له، وفهم لنصوصه؟ لقد ارتبطت الفلسفة منذ نشأتها بالدين، وخرجت من المعابد والكنائس واشتغل بها رجال الدين. بل إن الفلسفة قد تكون تطورا طبيعيا للدين كما يقول بعض فلاسفة التاريخ مثل كونت في قانون الحالات الثلاث، وأن موضوع الفلسفة الأول وهو الوجود المطلق، هو بعينه موضوع الدين الأول وهو الله. وأن وسيلة المعرفة في الفلسفة - أي العقل أو الحدس - هي بعينها وسيلة المعرفة في الدين وهو الوحي أو الإيمان أو النبوة أو الإلهام بالرغم مما قد يبدو بين الوسيلتين من اختلاف عند البعض، ومن اتفاق عند البعض الآخر. وأن غاية الدين وهي النجاة في الدنيا والآخرة، هي بعينها غاية الفلسفة وهي الحصول على السعادة؛ ومن ثم كان الدين والفلسفة متفقين في الموضوع والمنهج والغاية. وقد ظهر ذلك بشكل واضح في تراثنا القديم عند الفلاسفة المسلمين. فالفلسفة والدين عند الكندي متفقان في الموضوع والغاية وإن اختلفا في المنهج، وعند ابن سينا طريقان يؤديان إلى نفس الغاية كما وضح من قصة «حي بن يقظان»، وعند ابن رشد: الفلسفة بالنسبة للشريعة هي الأخت الرضيعة، المتحدتان بالطبع، المتحابتان بالجوهر والغريزة، وإنما يكمن الخلاف بينهما في الظاهر، ومن هنا أتت ضرورة التأويل. ويعظم الخلاف بينهما عند العامة التي لا تقدر على التأويل، وعند رجال الدين الذين يدافعون عن مناصبهم المزورة ويضطهدون الحكماء الذين يكشفون عيوبهم. بل إن غاية الفيلسوف هي بيان هذا الاتفاق بين الشريعة والحكمة، وبين الدين والفلسفة.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٦