ويختم كانط كتابه بسخرية من الرقيب، وينصح عمال الطباعة أن يطبعوا كتابه هذا بالحبر الرصاصي، وليس بالحبر الأسود، وبحروف لاتينية دقيقة، وبنط صغير، لكيلا يراه الرقيب، أو يتمكن من فحصه، أو يتعب منه، فلا يصدر منه قرار المنع والحرمان؛ فالرقباء كثيرا ما كانوا عمشا ضعاف النظر، مما يدل أيضا على ضعف العقل، وقلة الحيلة، وأنهم لا يستطيعون منع حرية الفكر، أو ذيوع أفكار التنوير.
1
| فلسفة التاريخ عند فيكو1
| أولا: مقدمة: نشأة فلسفة التاريخ
فلسفة التاريخ من أهم العلوم التي نشأت في الغرب إن لم يكن أهمها على الإطلاق، فقد كان المنطق والطبيعيات والإلهيات قاسما مشتركا بين الحضارات اليونانية والمسيحية والإسلامية. إلا أن الغرب في العصور الحديثة فصل العلوم الإلهية وأبرز ما يخص الإنسانية منها فيما أصبح فيما بعد يسمى «العلوم الإنسانية» في مقابل العلوم الرياضية من ناحية والعلوم الطبيعية من ناحية أخرى. وأصبح هذا التحول من «الله» إلى «الإنسان» أخص ما يميز الحضارة الأوروبية الحديثة. ظهرت فلسفة التاريخ بعد هذا التحول مرتبطة بالإنسان، وتقدمه، ونموه، وارتقائه، ورسالته، وارتباطاته بغيره، وانتماءاته للطوائف والعشائر والقبائل والأمم، وتحديد أدوارها في الزمان، وتعاقبها، وتراكم خبراتها فيما سمي بعد ذلك بالتاريخ؛ لذلك افتخر الغرب وزها باكتشافه ميادين لم تعرفها الحضارات القديمة، وأنه هو وحده صاحب الفضل في اكتشافها مثل الإنسان والتاريخ، أو الزمان والتقدم، أو الحب والموت. فالحب هو جوهر الإنسان الذي يعيش في الزمان، والموت نهاية للتاريخ الإنساني وإيقاف للتقدم. كان الإنسان عند سقراط روحا خالدة بلا تاريخ، وكان التاريخ عند أفلاطون تاريخا أسطوريا، وعند أرسطو تاريخا طبيعيا، وعند أوغسطين تاريخ ملكوت السموات، تاريخ الأنبياء. لم يتم اكتشاف التاريخ كوعي إنساني إلا في الغرب بعد إحياء الآداب القديمة في القرن الرابع عشر واكتشاف الحياة الإنسانية ابتداء من إبداعها الأدبي، وبعد الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر، واكتشاف اللحظة في علاقة مباشرة مع الخلود، والتأكيد على حرية المسيحي، والفضل الإلهي الذي لا يحتاج إلى توسط، وبعد القرن السادس عشر حيث بدأ الإنسان يظهر كمركز للكون فيما سمي فيما بعد باسم «المذهب الإنساني» عند أراسم، وبعد معركة القدماء والمحدثين في القرن السابع عشر، وانتصار المحدثين على القدماء، وإثبات قدرة الإنسان على الخلق والإبداع، وتجاوز الخلف للسلف.
1
وهنا ظهرت فلسفة التاريخ في القرن الثامن عشر لتزيد على هذه المكتسبات مفهوم التقدم إجابة على سؤال: كيف تتقدم الشعوب؟ ما هي مراحل ارتقاء الإنسانية؟ وتكاد تجمع جميع فلسفات القرن الثامن عشر والتاسع عشر (باستثناء كوندرسيه الذي جعل المرحلة العاشرة مستقبل الإنسانية وفلسفات القرن العشرين التي تعلن نهاية الحضارة الغربية وأفول الغرب) أن الإنسانية قد وصلت إلى مرحلة النضج والكمال، وأنها لم تعد في حاجة إلى وصاية خارجية من الآلهة أو الأبطال، من الأنبياء أو السحرة، من الحكام أو الآباء. فإذا ما وعت الشعوب مراحل تطورها أمكنها بعد ذلك أن تتحرك، وأن تأخذ مصائرها بأيديها، وأن تنقل أنفسها من مرحلة إلى مرحلة؛ وبالتالي كانت فلسفة التاريخ هي الممهدة للثورة الفرنسية، أعظم إنجاز للغرب، وأكبر مفجر لطاقات فلسفة التنوير التي كانت الأساس النظري الذي خرجت منه فلسفة التاريخ.
ويعتبر فيكو
Vico (1668-1744م) مؤسس فلسفة التاريخ قبل تأسيسها في فرنسا على يد مونتسكيو (1689-1759م)، روسو (1712-1778م)، فولتير (1694-1778م)، تورجو (1727-1781م)، كوندرسيه (1743-1794م) أو حتى في ألمانيا على يد لسنج (1729-1781م)، هردر (1744-1803م)، كانط (1724-1804م)، ولكن كتاب فيكو «العلم الجديد» لم يعرف خارج إيطاليا إلا في القرن التاسع عشر بعد أن ظهرت له ترجمة ألمانية في 1822م وأخرى فرنسية قام بها ميشليه في 1827م؛ لذلك لم يؤثر في تطور فلسفة التاريخ إلا بعد قرن من الزمان.