تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك حادثة من هذا النوع في هذا العصر تثبت هذا الاتجاه الخلقي للإنسانية، لا تنتمي إلى جنس الأفعال الشريرة أو الأعمال السحرية، بل تدخل ضمن الثورات العامة والشاملة المنزهة عن الغرض والهوى، والتي قامت على دافع خلقي للتقدم نحو الأفضل، ألا وهي الثورة الفرنسية. لا يهم نجاحها أو فشلها، بل تعاطف الناس معها. تقوم الثورات إذن على دوافع خلقية هي الأسباب الحقيقية للثورة، وأهمها اثنان؛ الأول: حق الشعب في اختيار دستوره الخاص ونظامه السياسي؛ والثاني: مطابقة دستور الشعب مع حقه في أن يعيش حياة خلقية، حياة الخير؛ وبالتالي عدم دخوله في حروب عدوانية، وأن يعيش في سلام. وعلى هذا النحو يحدث التقدم سلبيا، أي بتهيئة الظروف له، ودفع أسباب التأخر والدمار، وكلاهما واقعان خلقيان، يعبران عن حماس الشعب للمثل الأعلى، وهو التقدم الخلقي، وفكرة الحق، وفكرة النبل والشرف والعظمة. (7)

إن مستقبل الإنسانية لا يكون بالضرورة في الثورة، ولكنه قد يكون أيضا في التطور في الدفاع عن الدستور الذي يقوم على الحق الطبيعي والتمسك به أو السعي إليه، وهو الدستور الجمهوري. التطور إذن، بطبيعته، يسير نحو الأفضل. والثورة إن هي إلا تطور فجائي، بعد أن يتم إيقاف التطور الطبيعي بفعل السلطة الحاكمة. والفشل لا يعني عدم وجود الثورة، بل يعني تراكم التطور ونضجه حتى يتحول إلى تجربة ثورية ثانية. والفشل الذي قد يصيب الثورة في الحاضر هو أحد عوامل نجاحها في المستقبل. (8)

ويرتبط التقدم نحو الأفضل بمدى انتشار التنوير وذيوعه وتجاوز العقبات أمام هذا الانتشار. وتنوير الشعب إنما يتم بمعرفته بحقوقه وواجباته بالنسبة للدولة. والذين يقومون بهذه المهمة ليسوا هم موظفو الدولة في الكليات العليا، بل الفلاسفة ناشرو الأنوار؛ لذلك ينظر إليهم على أنهم خطرون على الدولة، مع أن صوتهم مألوف من الشعب، وموضع تقدير واحترام من الدولة. إن منع النشر، والرقابة على انتشار الأفكار، يمنعان الشعب من التقدم نحو الأفضل، حتى في أبسط الأمور، مثل: الحق الطبيعي، وضرورة اتفاق الدستور مع الحق الطبيعي. والمثال على ذلك: الملكية المقيدة في إنكلترا، ومسئولية الوزراء أمام المجلس النيابي، والدستور الجمهوري وإقرار السلام. (9)

إن المكسب الذي يحصل عليه النوع الإنساني من التقدم نحو الأفضل ليس زيادة كمية في إخلاص النية والقصد، أي زيادة النيات الطيبة، بل زيادة آثارها المشروعة في الأفعال طبقا للواجب، أي زيادة الأفعال الخيرة للبشر، وذلك في صورة عنف أقل وليونة أكثر مع القانون وسيادة قيم الشرف والوفاء. (10)

ويمكن التقدم نحو الأفضل في نظام يقوم على تغيير ما هو كائن من أعلى إلى أدنى، وليس من أدنى إلى أعلى، أي بوضع مناهج لتربية الشباب تحت إشراف الأسرة، ووضع مناهج للتعليم في جميع مراحله من المدارس الدنيا إلى المدارس العليا، طبقا لثقافة عقلية وخلقية، يغذيها التعليم الديني من أجل خلق المواطن الصالح، وكل ذلك على نفقة الدولة، بدل صرف مواردها على إشعال الحروب. يدافع كانط عن مجانية التعليم، وعن ضرورة التربية الخلقية والدينية. ويختم كانط حديثه عن هذا القسم الثاني بتأكيده على أن التقدم نحو الأفضل لا يميت بل يحيي، ويدين الحروب التي تدمر الطرفين، ويكون كلاهما خاسرا، ويستعمل كانط تشبيه شخصين يتضاربان بالنبابيت بدل الأواني الفخارية.

1

| خامسا: الصراع بين كلية الفلسفة وكلية الطب

في القسم الثالث والأخير يتناول موضوع الصراع بين كلية الفلسفة وكلية الطب، فيعالج فيه القضية المشهورة؛ علاقة النفس بالبدن، وضرورة سيطرة الأولى على الثاني، تعبيرا عن قوة الإرادة وقدرتها على السيطرة، ليس فقط على الانفعالات كما هو الحال عند ديكارت واسبينوزا، بل أيضا على الوظائف الحيوية للبدن، وهو أضعف الأقسام الثلاثة في الكتاب. كما أنه يعتمد على تجارب كانط الشخصية وعاداته في الطعام والشراب والنوم والاستيقاظ، ولا يقدم بناء نظريا موضوعيا لمظاهر هذا الصراع، كما فعل في القسم الأول، في الصراع بين كلية الفلسفة وكلية اللاهوت.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٤٧