تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتأييدا لهذا التصور وهو «وحدة الدين باعتباره غاية في قلب كل إنسان»، يصوغ كانط القضية من جديد في صورة عرض المشكلة، وإيراد الحل، ثم ذكر البرهان من داخل البروتستانتية وحدها، وبوجه خاص مذهب التقوى أو القنوط الذي نشأ فيه كانط. فالمشكلة التي وضعها شبنر

Spener (1635-1705م) هي أن الوعظ الديني يجب أن يحولنا إلى آخرين، وليس فقط إلى ذوات أفضل. وقد عارضت الأرثوذكسية هذا الرأي بالرغم من أنه يعبر عن مشكلة قائمة بالفعل، أي قدرة الإيمان الباطني على أن يحولنا إلى الآخر، وليس فقط على تحسين الذات. وهناك حل صوفي لهذه المشكلة يأتي من خارج الطبيعة الحسية. ثم يظهر في العاطفة الإنسانية بطريقين؛ عصر القلب، أو كما يقول صوفيتنا القدماء «القبض»، أو انفراج القلب، أو «البسط». الأول للتخلص من الشر والثاني للتمتع بالخير؛ لذلك ظهرت في البروتستانتية فرقتان؛ «مذهب التقوى» عند شبنر وفرانكه

Franke (1633-1727م)؛ و«المورافية» عند زنزندورف

Zinzendorf (1700-1760م). يرى الأول أن التمييز بين الخير والشر والخلاص من الشر يتم بقوة تأتي من خارج الطبيعة، وأن التحول من الشر إلى الخير يتم بمعجزة تحدث في الصلاة الحية، أو في انفعالات الحزن والخوف، كما كان الحال عند هامان (أشهر ساحر في شمال ألمانيا). ويرى الثاني أن الخلاص من الشر يتم عن طريق وعي الإنسان بخطئه، واتجاهه نحو الكمال، ومعرفة ذلك بالعقل. وتكون وظيفة القانون الخلقي في هذه الحالة أن يعكس له نقصه، ويؤهله للخير. فإذا ما تحقق ذلك تكون المعجزة قد تحققت. وكلا المذهبين اتجاه صوفي فردي روحي يعتمد على الشروط الذاتية والفضل الإلهي؛ الأول في صراعه الرهيب مع الشر، والثاني باستلهامه روح الخير. أما كانط فإنه يقوم في النهاية بعرض برهانه الذي يقوم على استبعاد كل ما يأتي من خارج الطبيعة، وكأن ما يأتي من التجربة والعاطفة والأحلام، لأن فكرة الله لا توجد إلا في العقل. إنما البرهان الوحيد هو الإنسان، ممثل الإنسانية، الجدير بعدم الشك في إنسانيته، ووعيه بأنه خاضع للقوانين الخلقية المؤسسة في العقل لأن طاعة هذه القوانين مطابقة للنظام الطبيعي وللعقل الخالص. فالبرهان هو ما ينبغي أن يكون، وليس ما يأتي من خارج الطبيعة الحسية، هو الاستعداد الخلقي الداخلي للإنسان والذي لا يفصله عن إنسانيته، ويكون موطن الإعجاب فيه. وعلى هذا النحو يتجاوز كانط العيبين الرئيسين: الأرثوذكسية بلا روح، والتصوف القاتل. إنما البرهان الوحيد هو الإيمان الذي يقوم على النقد والعقل العملي، وهو القار في قلوب البشر، والدافع لهم نحو الكمال، والمنظم للكنيسة الشاملة غير المرئية. وليس من خطورة في استعمال الحكومة لمثل هذا الإيمان، كما تفعل مع الإيمان الكنسي لأن الإيمان الباطني لا يتحول إلى إيمان كنسي بل مجرد حالة فردية لا يمكن للحكومة أن تضع يدها عليها، وتفتش في ضمائر الناس.

ويختتم كانط الجزء الأول من كتابه لبيان كيفية حل الصراع بين كلية الفلسفة وكلية اللاهوت حتى يعود السلام والوئام بينهما عن طريق تقسيم العمل. ففيما يتعلق بمسائل العقل العملي النظري تكون مهمة كلية الفلسفة الشكل، ومهمة كلية اللاهوت المضمون أو المادة. ليست مهمة كلية اللاهوت الإيمان العقلي الذي يمكن معرفته قبليا، ولكن الأحكام القانونية المستمدة من كتاب أو طبقا لميثاق قديم أو جديد بين الله والإنسان. وذلك عمل فقهاء القانون، وليس عمل عقل العلمانيين. الإيمان النقلي إيمان مشياني

Messianic (مخلصي) تاريخي، مؤسس في كتاب على الميثاق بين الله وإبراهيم، إيمان بكنيسة ميشيانية، أو موسوية، أو إنجليلية، ابتداء من تاريخ الكون في سفر التكوين حتى نهاية العالم، كما تعرضه رؤيا يوحنا، ولكن نظرا لوجود اضطراب زماني في الكتاب يحدث شك في الصحة التاريخية للنصوص. فالكتاب يعبر عن إرادة إلهية كما تصفها أحكام الشريعة؛ وبالتالي يكون أسرع وسيلة لإعطاء الإنسان السعادة، بشرط صحة النصوص، ولكن أمام ذلك عدة صعوبات، فمثلا: إذا كان الله قد تحدث في الكتاب، كيف يتحقق الإنسان من أن الذي تحدث في الكتاب هو الله، بالرغم من عدم وجود برهان حسي على ذلك؟ إن الإنسان على يقين أنه إذا ما عارضت أحكام الكتاب قوانين الأخلاق فإن ما يقال عنه إنه حديث من عند الله يكون حديثا مزيفا ليس من عند الله. شرعية الكتاب لا تأتي إذن من تعاليم فقهاء الشريعة بل من اتفاقه مع الأخلاق. إن وظيفة دين الكتاب هي السيطرة على الشعب، كما تفعل الحكومة تماما؛ وبالتالي تكون إقامة الأخلاق على الكتاب دافعا على الشك فيها، ولكن الكتاب نفسه يحتوي على برهان الألوهية أي الخلقية، نظرا للأثر الطيب الذي يحدثه في حياة الناس. أما الحقيقة النظرية، فإنها تتأسس على المعرفة التاريخية. وعلى هذا لا بد من أخذ الكتاب، وكأنه وحي من عند الله. ولا بد أن يقول لنا المفسر: هل حكمه على الكتاب حكم صحيح أم حكم عقائدي؟ الحكم الأول لا بد أن يكون متفقا مع النص، أما الحكم الثاني فهدفه التربية الروحية والخلقية لأن الإيمان بمجرد قضية تاريخية إيمان ميت. الحكم الأول هدفه علمي خالص، بينما الحكم الثاني هدفه تربوي شعبي. الأول من حق أساتذة اللاهوت، ولكن الثاني من حق أساتذة الفلسفة وحدهم حين يضعون الحكم الأول تحت مجهر العقل والنقد.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٤٤