تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن يبدو أن هذه النظم التي فرضها ملوك فرنسا والظروف المساعدة على ذلك لم تكن إلا عاملا ثانويا لنشأة الجامعات وازدهارها، ممثلة في جامعة باريس؛ لأن المؤسس الحقيقي لها كان إنوسنت الثالث، ثم جريجوار التاسع. ومع أن الجامعة نشأت دون تدخل البابا، إلا أنه لا يمكن فهم دورها القيادي الخاص بين جامعات العصر الوسيط دون أن نأخذ في الاعتبار التدخل الفعال والمباشر للبابا والمقاصد الدينية التي حددها لها. ومع أن الجامعة هي المكان الذي يجتمع فيه الطلاب والأساتذة لدراسة بعض العلوم حبا في العلم، إلا أن هذا المثل الأعلى المجرد لم يكن يخلو من بعض المنافع العملية التي لا تعارض حب الاستطلاع وطلب العلم لذاته؛ لذلك ضمت الجامعات المعارف النظرية الشاملة لتوسيع المدارك الإنسانية والتخصصات العلمية الدقيقة لتحقيق بعض النفع في الحياة اليومية.

ولكن جامعة باريس في القرن الثالث عشر كان يتنازعها هذان التياران المتعارضان؛ الأول يريد أن يجعلها مركزا علميا محايدا منزها عن الأغراض؛ والثاني يريد استخدام العلوم والمعارف من أجل إثبات أهداف ومقاصد دينية، ويجعل الجامعة سلطة عقلية ودينية في آن واحد. ويمكن ملاحظة هذين التيارين من قراءة لائحة جامعة باريس، يتحدان مرة، ويتصارعان مرة أخرى. فمثلا، لم تكن دراسة الطب رائجة في جامعة باريس في القرن الثالث عشر، على عكس بعض الجامعات الفرنسية في جنوب فرنسا فيما بعد، تحت تأثير الطب الإسلامي وامتداده من الأندلس، ولكن كانت دراسة القانون على العكس رائجة تحظى باهتمام عديد من الطلاب. وكانت هذه الجامعات تدرس القانون الروماني كأساس للمجتمع المدني المستقل الذي لا يعتمد إلا على ذاته. ثم أتت الكنيسة، ومنعت هذه الدراسة، وأصرت على تدريس القانون الكنسي.

أما فيما يتعلق بتدريس الفلسفة، فمنذ أن انتشرت الفنون الثلاثة المشهورة في العصر الوسيط: البلاغة والنحو والمنطق، عاد الجدل إلى مكانته الأولى، وشغف به معظم الأساتذة، رافضين الدخول في موضوعات اللاهوت. ولقد ظل أبيلار نفسه لمدة طويلة جدليا. ومنذ اكتشاف مؤلفات أرسطو حصل أساتذة الفنون الحرة (البلاغة، والنحو، والمنطق، والحساب، والهندسة، والموسيقى، والفلك) على سلطة أكبر مما كان لديهم في القرن الثاني عشر؛ فقد طبق أساتذة الجدل مناهجهم من منطق وفيزيقا وميتافيزيقا أرسطو، دون أي مادة علمية أخرى؛ لذلك ظل الجدل فارغا عقيما لا يستعمل في موضوعات اللاهوت التي ترفض بطبيعتها أن تخضع لقوانين الجدل. ثم طالب الأساتذة فيما بعد بتطبيق مناهج الجدل في علوم وضعية أخرى، لها مضمون واقعي، ولكن ظل التيار الغالب على الأساتذة في كليات الآداب في باريس أثناء القرن الثالث عشر كله هو تدريس المنطق والفيزيقا وميتافيزيقا أرسطو دون الاهتمام بأي علوم أخرى أو حتى باللاهوت. وكانت «الرشدية» الباريسية تمثل هذا التيار.

أما فيما يتعلق بتدريس اللاهوت، فقد زاد الاهتمام بكلية اللاهوت، وزادت أهميتها، حتى طغت على كلية الآداب، وفاقتها في الأهمية. وفيها أيضا ظهرت الاتجاهات الجديدة في مواجهة التراث التقليدي السائد الذي بدأ يتزعزع. فمنذ القديس أوغسطين ومع أساتذة سان فيكتور، كان اللاهوت أوغسطينيا في جوهره، دون رفض جدل أرسطو؛ إذ لم يقدم أرسطو إلى هذا اللاهوت إلا طرق العرض والشرح. ولم يكن لدى طلبة جامعة باريس وأساتذتها وخريجيها أي رغبة في تغيير هذا التراث الشائع، لدرجة أنه حتى الانتصار النهائي للتوماوية الأرسطية، كان أشهر الأساتذة، مثل: الإسكندر الهالي، والقديس بونافنتير، وأساقفة باريس (مثل: وليم الأوفرني، وأتين تجييه)، أوغسطينيين. وكانت عبقرية ألبير الكبير وتوما الأكويني وسبب انتصارهما النهائي التوفيق بين هذين التيارين المتعارضين في جامعة باريس. لقد أعطيا الشرعية لكل المضمون الوضعي الذي أثرى الفنون الحرة السبعة، وفي الوقت نفسه أعادا تنظيم اللاهوت القديم على أسس أكثر رسوخا مما كان عليه.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ٣٠