تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2 (2)

وبالرغم من انتصارات التيار التجريبي، واعتبار التجربة مقياسا للصدق، وإعادة الثقة بالمعرفة الحسية، ونشأة العلم، واحترام الطبيعة، واستقلال قوانينها واطرادها، وكشف أخطاء المعارف المسبقة التي تعتمد على السلطة والعقائد الموروثة والثقة بالعالم الخارجي والاعتراف بوجوده إلا أنه انتهى أيضا إلى إنكار كل المعارف المسبقة وكل المعطيات القبلية، ورفض الاتساق العقلي، وبداهات العقل وقوانينه الثابتة حتى أصبحت التجربة نوعا من التحيز المسبق والحكم المبتسر مما أضر بالعلم ذاته. كما أنه تصور كل معطى على أنه ظاهرة مادية مرئية تقاس في المكان، وأغفل الظواهر الكيفية الخالصة واستحالة تحولها إلى ظواهر كمية. وقع في التصور الكمي للعالم الذي يعتمد على القياس، وأغفل الكيفيات الخالصة، ولم تنفعه الرياضيات البحتة في الحصول على الكيف بل وقع في حساب الكم، مما دفع بعض المعاصرين إلى وضع العلم الكيفي في مقابل العلم الكمي كما فعل برجسون وهوسرل. وقد قام هذا التيار على إيمان لا حدود له بالتطور والتغير مما جعل الثبات يتوارى. بل إن العلم الحديث يقوم كله على الاحتمال وليس على الثبات، وعلى حساب الاحتمالات وليس على ثبات قوانين الطبيعة. وبلغ الحد من الإيمان بقدرة العلم على اختراع كل شيء إلى أن تحول الطبيعي إلى صناعي والغائب إلى الشاهد؛ لذلك تم استخدامه في الصناعة إلى أقصى حد، وحول المجتمع كله إلى مجتمع صناعي بكل عيوب هذا المجتمع التي تدخل حاليا في أزمة الحاضر وهموم المستقبل. كما تم استخدامه في الحروب وصناعة السلاح من أجل التدمير والفناء. وأصبح التقدم العلمي مرادفا للخراب. هذا بالإضافة إلى ما سببه العلم من تخزين للمعلومات وإضرار بالعقل البشري الطبيعي وبقدراته على الخلق والتخطيط والإبداع بعد أن تنازل عن وظائفه هذه كلها إلى الحاسبات الآلية؛ ومن ثم تحول الذهن البشري إلى مسطح يخلو من العمق، وتحول العلم إلى جهل. وكثيرا ما كان التيار الحسي التجريبي أقرب إلى النظم المحافظة الرجعية في السياسة كما لاحظ ذلك ماركيوز على الوضعية التي تؤمن بالوضع القائم دون تغييره والثورة عليه.

3 (3)

وبالرغم من نجاح الفلسفات المعاصرة الإنسانية والوجودية والبراجماتية والشخصانية والظاهراتية في اكتشاف الإنسان من جديد والدفاع عن وجوده وحريته والكشف عن عيب الاتجاهين الرئيسين في الوعي الأوروبي الصوري والمادي، العقلي والتجريبي، وبدايات النقد الاجتماعي لروح العصر، والتعبير عن هموم المستقبل إلا أنها انتهت أيضا إلى الوقوع في العبث واللامعقول والتناقض وهي بصدد نقد صورية العقل، وإعلان عجز العقل كلية عن إدراك أي اتساق في الواقع، والإيمان بالعنصر اللاعقلي، وإعطاء الأولوية المطلقة له على أي عنصر عقلي في الحياة كما اتضح ذلك خاصة عند كيركجارد وكامو. كما تم الرفض التام للعلم باعتبار أن الذاتية شيء مخالف للموضوعية، وبأن الإنسان ليس ظاهرة علمية أو واقعا ماديا أو موضوعا يخضع لملاحظة العلم وقوانينه. الإنسان ذاتية خالصة، إمكانية وحركة، ومشروع يتحقق، وحرية كامنة لا يمكن التنبؤ بمسارها. فوقعت في النزعات غير العلمية وأحيانا في النزعات الصوفية الإشراقية. كما انتهت معظم هذه الفلسفات إلى نوع من العدمية النسبية أو المطلقة بعد تحليل تجارب الموت والهم والحصر والغثيان والرغي وحب الاستطلاع والنفي والتساؤل، والدعوة إلى الانتحار وتصور الإنسان في الحياة مثل سيزيف يعيش بلا أمل ومحكوم عليه بالشقاء. وقعت في التشاؤم واليأس، وضاعت روح الأمل والتفاؤل التي كانت سائدة في بداية الوعي الأوروبي والتي ظهرت في فلسفة التاريخ، وانتفت الغائية ، وسادت العشوائية والاحتمال وعدم القدرة على التنبؤ بأي شيء. وأصبح المجهول أكثر إغراء من المعلوم، والليل أكثر دلالة من النهار، والغموض يوحي أكثر مما يوحي الوضوح. اشتدت النزعة الفردية التي تغفل دور الجماعة بالرغم من «ثورة الجماهير» عند أورتيجا و«نقد العقل الجدلي» عند سارتر، و«العقل والثورة» عند ماركيوز، وبالرغم من محاولات التوفيق بين الوجودية والماركسية خاصة عند لوكاتش واكتشاف الوعي الطبقي في التاريخ. اشتدت أزمة العلوم الإنسانية بعد أن احتارت بين مناهج العلوم الرياضية أولا بعد نجاحها في القرن السابع عشر وبين مناهج العلم الطبيعية بعد نجاحها في القرن التاسع عشر، وعودتها إلى الرياضة البحتة أو إغراقها في تحليلات الشعور والتجارب الحية.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ١٥٤