تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6 (8)

بل لقد استطاع الوعي الأوروبي تجاوز فلسفة الدورات الحضارية إلى فلسفة التقدم المستمر الذي لا رجعة فيه. فالدورات الحضارية في النهاية تقوم على تصور دائري للحضارات البشرية بداية وتطورا واكتمالا ونهاية حتى ولو بدأت الدورة الثانية من خطوة إلى الأمام وليس من الصفر كما هو الحال عند فيكو في التصور اللولبي الذي يجمع بين التصور الدائري والتقدم في الزمان. فالغائية عند كانط جوهر التاريخ إذ تسير الإنسانية نحو غايتها من الغريزة إلى الحس إلى العاطفية حتى تصل في النهاية إلى العقل، ولا رجعة إلى الوراء مثل الطفل تماما الذي ينتقل من مرحلة الغريزة إلى المعرفة الحسية إلى المعرفة الوجدانية ثم إلى المعرفة العقلية في النهاية. وفي كل مرحلة تكتشف الإنسانية مقومات التقدم مثل الحرية وإقامة المجتمع المدني المستنير وإقامة دستور سياسي شامل للشعوب كلها. وكان الفلاسفة قبل كانط قد ركزوا على هذا التقدم المستمر دون دورات ورجوع إلى الوراء بروح التفاؤل الخالص كما هو الحال عند فرنسيس بيكون ولاموته. فكل قرن يتضمن بالضرورة تقدما عن القرن الماضي دون خسائر ودون شيخوخة. فالتقدم نتيجة طبيعية وحتمية لتكوين العقل الإنساني. (9)

كما ظهر المستقبل كأحد مراحل تطور البشرية لم تبلغها بعد. فقد رفض فونتنل فكرة النكوص أو قانون القهقرى والعود إلى العصر الذهبي. وتصور مرحلة رابعة مستقبلية بعد الطفولة والشباب والرجولة وهي مرحلة النضج

Virility ، وفيها تبلغ الإنسانية قمة التقدم. فالتقدم لا حدود له من ناحية المستقبل. ليس للإنسان عصر قديم يرجع إليه، فالإنسانية العاقلة في تقدم مستمر. وهو تقدم حتمي ضروري بصرف النظر عن الأفراد. فلو لم يولد ديكارت لولد إنسان غيره ليقوم بنفس المهمة. والتقدم شامل لا يحدث في العلوم والمعارف وحدها بل يحدث في المجتمع والتاريخ. كما رفض خوري سان بيير تصور إنسانية منهارة من العصر الذهبي إلى العصور الفضية والبرونزية والحديدية بل إنه قلب الآية وتصور إنسانية متقدمة ناهضة من العصر الحديدي وهو عصر طفولة الإنسانية حيث كانت فقيرة جاهلة بالفنون، عصر أفريقيا وأمريكا إلى العصر البرونزي وهو عصر الأمان والقانون والفنون إلى العصر الذهبي الذي لم تقطعه أوروبا بعد. وتصور العصر الذهبي الرابع، عصر المستقبل وهو العصر الذي تحكمه الأكاديمية السياسية مع الأكاديمية العلمية. وقد ظهرت هذه المرحلة المستقبلية أيضا عند كوندرسيه (1743-1794م) إذ جعل المراحل التسع الأولى لتطور البشرية في الماضي والمرحلة العاشرة للمستقبل. فقد عاش الإنسان أولا على طبيعته الحسية ثم استأنس الحيوان واعتمد على الرعي ثم عرف الزراعة الثابتة، وبعد ذلك بدأت المرحلة الرابعة؛ المرحلة اليونانية وازدهار العلوم والفنون ثم المرحلة الرومانية ثم مرحلة العصور الوسطى من سقوط روما حتى الحروب الصليبية. ثم تأتي المرحلة السابعة منذ الحروب الصليبية حتى اختراع المطبعة ثم من اختراع المطبعة حتى ديكارت ثم من ديكارت حتى الثورة الفرنسية وهي المرحلة التاسعة. أما المرحلة العاشرة فهي مرحلة المستقبل، وهو العصر الذهبي الذي لم تبلغه الإنسانية بعد ولكن الإنسان قادر على التنبؤ به باستقرائه للعلوم الطبيعية والاجتماعية. وتتحقق في هذا العصر أمور ثلاث؛ المساواة بين الأمم وزوال الفوارق بين الشعوب وتساوي الجميع في الحقوق والواجبات، والمساواة داخل كل أمة وزوال الفوارق بين الطبقات، وارتقاء الإنسان في ذاته وزوال تشتته وتحقيق وحدته. كما تصور ماركس المرحلة الخامسة في تصوره لتطور البشرية من مرحلة الصيد والقنص وقطف الثمار والرعي إلى مرحلة الزراعة إلى مرحلة الإقطاع إلى مرحلة الرأسمالية، وجعل مرحلة الشيوعية التي ستبلغها الإنسانية في المستقبل.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ١٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ١٤٥