16
| ثالثا: التحول من الماضي والاتجاه نحو المستقبل وصياغة التقدم في التراث الغربي
لم تظهر الدراسات المستقبلية في التراث الغربي في فراغ بل سبقتها جهود عديدة لاكتشاف المستقبل في صورة تقدم وحركة وتغير وثورة وقانون. ولم يحدث هذا الاكتشاف فجأة وفي عصر واحد بل مهدت له شروط وساعدت عليه عوامل وتراكمت فيه خبرات. وحدث ذلك على مراحل مختلفة حتى كمل مفهوم التقدم الإنساني العام الذي يشمل القدرات الذهنية والمعارف الإنسانية والإنجازات البشرية. (1)
فقد انتقلت الحضارة الأوروبية كلها من التمركز حول الله
Theocentrism
إلى التمركز حول الإنسان
Anthropocentrism
وقد ظهر ذلك في عصر الإحياء في القرن الرابع عشر عندما تم بعث الآداب القديمة التي تعلي من شأن الإنسان في مواجهة الآلهة. كما استمر ذلك الإصلاح الديني في الخامس عشر بدخول الإنسان في علاقة مباشرة بينه وبين الله، وإيمانه في اللحظة دون توسط الكنيسة، وحريته في الفهم والتفسير للكتاب المقدس. وقوي ذلك في عصر النهضة في السادس عشر حين أصبح الإنسان هو الموضوع الأول للعلوم. فنشأت العلوم البيولوجية مع العلوم الطبيعية والرياضية، بل ونشأ الاتجاه الإنساني
Humanism
عند أراسم (1469-1536م). فقد كان يستحيل ظهور مفهوم التقدم أو التاريخ في عالم يطويه الله بين يديه، ويضعه تحت إبطيه دون أن يكون للعالم استقلاله ووجوده الخاص، ودون أن يكون له حركته وتطوره وقانونه؛ ومن ثم تم اكتشاف الحركة في الدراما والارتقاء في العلوم البيولوجية قبل اكتشاف التقدم في العلوم التاريخية. (2)
كما انتقلت الحضارة الأوروبية الحديثة من التصور الدائري للزمان، ذلك التصور الذي كان سائدا في الحضارات القديمة إلى التصور التقدمي للزمان. كان التصور الأول مرتبطا بالخلود، وبالعود على بدء، وبالبداية والنهاية من أجل حل قضية الصلة بين الزمان والخلود. وفي هذا التصور تكون الأولوية فيه للخلود على الزمان. في حين ارتبط التصور الثاني بالزمان دون الخلود، وبمراحل الزمان وفترات التاريخ وتعاقب الأجيال وتوالي العصور والأزمان. هذا التصور الأول جعل التقدم يسير إلى الوراء طبقا لقانون القهقري
Recoursi
لحاقا بالفردوس المفقود، وهروبا من هذه الأرض الخراب، ورجوعا إلى العصر الذهبي، وابتعادا عن عصر الفساد والانهيار. في حين أصبح التقدم في التصور الثاني تقدما مستمرا، اليوم أفضل من الأمس، والغد أفضل من اليوم. لا رجوع إلى الوراء، ولا عودة بالزمن، فالزمان يسير في خط مستمر إلى الأمام. لا انتكاس فيه ولا نكوص؛ لذلك انتقل الوعي الأوروبي من التشاؤم إلى التفاؤل، ومن الإحجام إلى الإقدام، ومن الخوف والشك ومن والترقب إلى الثقة بالنفس واليقين والعمل.
1 (3)
ولما كان الدين هو ينبوع الحضارة ومركزها فقد تمت عدة تحولات في تصور العقائد الدينية من المحور الرأسي إلى المحور الأفقي. حدث ذلك في تصور عقيدة العناية الإلهية التي تحفظ العالم وتعتني به بعد الخلق من خارجه وليس من داخله، وتحوله إلى تصور آخر جعلها قانونا لتطور التاريخ ولتحديد مساره من داخله وليس من خارجه. كما تحولت عقيدة التثليث؛ الأب والابن والروح القدس من قبل في القرن الثاني عشر عند يواكيم الفيوري (1130-1203م) إلى قانون لتطور التاريخ ذي ثلاث مراحل؛ مرحلة الآب وهو الذي يمثل السلطة، ومرحلة الابن وهو الذي يمثل المعارضة، ومرحلة الروح القدس وهو الذي يمثل استقلال الإنسان وعيا وعقلا وإرادة.
2
وظهر ذلك بوضوح في فلسفة التاريخ عند هيجل (1770-1831م) حيث تحول ملكوت الآب وملكوت الابن وملكوت الروح القدس إلى جدل التاريخ، إلى مسار حضاري شامل يتجلى فيه الروح المطلق. كما تحول تطور النبوة من اليهودية إلى المسيحية إلى التنوير إلى قانون عام لتربية الجنس البشري كما هو الحال عند لسنج (1729-1781م) ابتداء من مرحلة الحس والتشبيه الحسي وإله الغضب والعقاب والخوف إلى مرحلة العاطفة والوجدان وإله المحبة والعفو والتسامح والغفران إلى مرحلة العقل والحرية والطبيعة ودين التنوير، دين الإنسانية الجديد، خاتم الأديان، ونهاية التطور وكمال الإنسانية. ولم تعد المعجزة خرقا لقوانين الطبيعة ونفيا لاستقلالها بل حادثة تقع طبقا لقانون طبيعي نجهله. وتقدم العلم يمكن اكتشافه والتنبؤ بمسار الحوادث.