7
وتلك آخر مراحل التفسير، التفسير العملي بمعنى تحول النص إلى واقع، واللغة إلى حركة، كما يسمى لاعب الكمان «مفسرا» عندما يعزف النوتة الموسيقية، وكما سمت عائشة الرسول عندما كان يتهجد قائما ليلا «مؤولا» للقرآن.
| تاسعا: خاتمة: القراءة إبداع
تبدو قراءة النص وكأنها تفكير على الماضي، وشروح على متون، وتهميش على نصوص قديمة؛ وبالتالي فهي أقرب إلى التقليد منها إلى الإبداع وكأن الإبداع يتم وهو مقطوع الصلة بالجذور. والحقيقة أنه لا إبداع دون مصادر، ودون تطوير لبذور أولى، ودون تنويع على أشكال سابقة. فلولا سقراط لما كان أفلاطون، ولولا أفلاطون لما كان أرسطو، ولولا هيجل لما كان ماركس أو فيورباخ، ولولا هايدن لما كان موتسارت، ولولا موتسارت لما كان بيتهوفن، ولولا الفارابي لما كان ابن ماجة، ولولا ابن سينا لما كان ابن طفيل؛ لذلك يبدأ المبدعون بتقليد سابقيهم حتى يستقلوا بأسلوبهم، ويتميزون بأدائهم فيما بعد.
وإن لم ينشأ الإبداع من شيء ما ولم يكن قراءة للقديم وتدريبا عليه، فإنه يتحول إلى تقليد لنص آخر من تراث آخر فينشأ التقليد مع وهم الإبداع؛ وبالتالي تقع الازدواجية في فكر الأمة وفنها وقوانينها بل وتاريخها. يظل الفكر والفن والتاريخ والقانون القديم تقليديا محافظا وينغلق على نفسه لأنه لم يخضع للتطوير عن طريق القراءة، ويتجاور معه تقليد آخر بوهم الإبداع وباسم التجديد.
لذلك، كانت قراءة النص أفضل منهج للتربية والمران في الفكر والفن، يعكف من خلالها المبدع على روحه المدون في النصوص ويتعرف على تاريخه، ويكتشف قانون مساره. فعندما يدرك تطور ماضيه ويشعر بنقص حاضره يقرأ النص فيرى رواسب الماضي في الحاضر، ويرى مكونات الحاضر في الماضي. في القراءة يحدث التفاعل بين القديم والجديد، بين المبدع وعصره، فتنشأ إبداعات لا نهاية لها، ويتم الحفاظ على وحدة الأمة في التاريخ.
1
| علم المستقبليات
(عالم الغد بين الأمس واليوم)
1
| أولا: مقدمة
لقد آن الأوان للأمة أن تكشف مسارها في التاريخ، وأن تنتقل من الرجوع إلى ماضيها إلى الاتجاه نحو مستقبلها دون أن يكون ذلك الانتقال تنكرا إراديا لحاضرها وتناسيا مقصودا له أو تعويضا لا شعوريا وهروبا وجدانيا من أزمات العصر. والرجوع إلى الماضي أو الاتجاه نحو المستقبل قد يكون موقفا مرضيا إذا كان فيه تجاهل للحاضر وهروب منه وعزاء عنه ونسيان له وتعويض عنه. وقد يكون موقفا صحيحا إذا كان الغرض منه البحث عن الجذور التاريخية لأزمات العصر حتى يمكن حلها من أساسها، أو التخطيط للمستقبل والإعداد له حتى لا نقع في التخبط والعشوائية والتردد والحيرة، فنقدم رجلا ونؤخر أخرى، نكون مثل رجل ديكارت التائه في الصحراء الذي يغير اتجاهه دوما دون أن يصل إلى غايته فيهلك.
1
وإن كثيرا من مشاكلنا اليوم لتتعقد أكثر فأكثر نظرا لتراكمها واشتدادها لعدم قدرتنا على التنبؤ بها قبل وقوعها والإعداد لها. فكثيرا ما تركنا المشاكل تتفاقم حتى تحولت إلى أزمات ومصائب وبلاء وكرب، وطلبنا العون والغوث. لم تكن لدينا خطط طويلة الأمد قادرة على احتواء المشاكل وتدارك الأزمات؛ لذلك تعثرت الحلول، وضاقت السبل، ولم يعد الناس يصدقون الخلاص القريب. في نفس الوقت يواجهنا عدو يخطط منذ أمد بعيد لاحتلال الأرض لحوالي قرن من الزمان منذ نشأة الصهيونية السياسية حتى احتلال فلسطين كلها. وقد كنا أقدر على ذلك التخطيط والإعداد للدفاع عن البلاد ولدينا تاريخ الأنبياء، ونزول الوحي على فترات، ولكننا عشنا خارج التاريخ وخارج الزمان، نطلب الخلاص منه إذا وجدنا أنفسنا فيه سواء بالوعود أو التمنيات أو بالتعويض والإيهام.
إن أهمية «الدراسات المستقبلية» في حياتنا لا ترجع إلى تقليدنا للغرب وإلى اقتفائنا لأثره وإلا كنا مقلدين ننقل آخر صيحات «الموضة» الفكرية، إذا تركها الغرب تركناها وإذا أخذ الغرب غيرها أخذناها. وتكون الدراسات المستقبلية في هذه الحالة أشبه بما روجنا له من قبل من مذاهب ومناهج غربية مثل الوجودية والبنائية والمنهج العلمي والمنهج الاجتماعي ... إلخ؛ وبالتالي لن تؤثر في حياتنا ولن تساعدنا على التحول من الماضي والاتجاه نحو المستقبل إعدادا وتخطيطا ومسارا. إنما ترجع الدراسات المستقبلية إلى ضرورة ملحة في حياتنا وهو حساب المستقبل والتنبؤ بمشاكله وتوقعها وإعداد الحلول لها قبل تفاقمها وعصيانها من أي حلول وتحولها إلى أزمات طاحنة تعصف بأجيال بأكملها وتحول مجرى التاريخ. وهذا يأتي بزرع الدراسات المستقبلية واكتشاف جذورها، والقضاء على معوقاتها وتأصيلها، وبعثها من تاريخ الأمة وحضارتها حتى تكون لها فاعليتها وأثرها في وجدان العصر.