3
إن موت الفلسفة وحياتها دورتان مستمرتان تتحركان بعلاقة الفلسفة بالسلطة، ففي نفس الوقت الذي تموت فيه الفلسفة ظاهريا في المجتمعات التسلطية يتحول الفكر من الصوت المكتوم في النفس عند الفرد إلى الفعل الجماعي السري عند الجماعة. وينقلب من فكر المضطهدين إلى فكر المناهضين. ولا تلبث اتجاهات المعارضة والأحزاب السرية حتى تنقض على السلطة سواء في انفجارات شعبية أو في انقلابات عسكرية، فيتحول المجتمع كله من مجتمع تسلط إلى مجتمع حرية. وقد لا يمنع ذلك من أن تمارس السلطة الجديدة بعض أساليب القمع ضد حلفاء الأمس الذين دخلوا جميعا في البداية على قدم المساواة في جبهة وطنية واحدة ضد التسلط والقهر، فتستأثر بالسلطة بمفردها. وهنا تنشأ جماعات سرية أخرى لمناهضة السلطة الجديدة. وهكذا تحمل السلطة مقومات فنائها، وكأن الحرية الفكرية إذا ما تحولت إلى سلطة سياسية حافظت على السلطة أكثر مما تحافظ على نفسها وبالتالي تتحول إلى نقيضها.
| رابعا: الفلسفة والمذهب
تنشأ الحاجة إلى ترك الفلسفة والأخذ بالمذهب عندما ينشأ دافع الاستحواذ ورغبة التسلط والحاجة إلى الدفاع عن النفس ضد مخاطر الفلسفة التي تعني الفكر الحر والحوار المفتوح والتقدم المستمر. حدث ذلك مرات عدة في تاريخ الفكر البشري وفي عدد من الحضارات الإنسانية. حدث ذلك لأول مرة في الحضارة الغربية بعد نشأة المسيحية وأخذها الطابع الأخلاقي الروحي العملي وتحويلها لقلوب الناس، وتغييرها لأساليب حياتها. فجاء بولس ونظم العقائد، وصاغ النظريات، ووضع كل ذلك في مذهب عقائدي صارم يكفر ما سواه، ويعتبر أصحابها من «العلماء الكذبة» حماية للعقيدة، وتأسيسا للسلطة، ودفاعا عن الكنيسة. فبذر بذور الشقاق الذي سيحدث فيما بعد بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية، ثم داخل الكنيسة الغربية ذاتها بين البروتستانت والكاثوليك. ثم نشأت الحاجة مرة ثانية في عصر آباء الكنيسة الأوائل، عندما تشعبت الفرق الدينية واختلف الناس في فهم طبيعة المسيح، فتدخلت السلطة الدينية مرة ثانية لتختار عقيدة دون أخرى وتتبنى مذهبا وتكفر ما عداه، وتصوغها في عبارات لا حيدة عنها كما فعلت في مجمع نيقيا الأول. ولما اشتد الفكر الحر في العصر الوسيط المتأخر وبدأ العقل يأخذ سلطانه ويتبدد الشر ويظهر التناقض بين العقل والإيمان سارع علماء الكنيسة بوضع مذهب لاهوتي جديد يقوم على سلاح الخصوم وهو العقل، وعلى أحدث فلسفات العصر وهو مذهب أرسطو. فكتب توما الأكويني «الخلاصة اللاهوتية» لصياغة مذهب جديد يحمي به العقيدة من هجمات اللاهوتيين العقليين وأنصار الفلسفة الإسلامية. وأخيرا جاءت المحاولة الرابعة في بداية العصور الحديثة في عصر النهضة بعد أن تم تقويض كل النظريات القديمة والتصورات السابقة للعالم التي سادت العصر الوسيط والتي اكتشف العقل زيفها وتعارضها معه وتناقضها، وبعد اكتشافات العلم الحديث والثقة بشهادة الحس واطراد التجربة. ولما أعطى عصر النهضة تصورات جزئية عن الإنسان والكون، وأصبح في القرن السابع عشر للعقل السلطان على كل شيء، بدأت الحاجة إلى المذاهب الفلسفية الشامخة لإعطاء تصورات عامة وشاملة بديلة عن التصورات الأولى التي انهارت وتم القضاء عليها تماما. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش في هذا الكون دون تصورات عامة، والمجتمع لا يستطيع أن يسلك أو أن يعيش دون رؤية شاملة له. نشأت هذه المذاهب الشاملة إذن كرد فعل على العقائد النظرية القديمة التي كانت تقوم بوظيفة التصورات للعالم، لا تريد أن تتزحزح عن موقفها دفاعا عن العالم ودفاعا عن المكتسبات البشرية التي من أجلها سالت دماء الشهداء من المفكرين والعلماء. وقد حدث الشيء نفسه في تراثنا القديم عندما تمت صياغة العقائد على يد الأشعرية وأصبحت هي نموذج الإيمان الصحيح وتكفير عقائد كل الفرق حتى كثرت العقائد «النسفية» و«الطحاوية» و«العضدية»، يتم تلقينها جيلا بعد جيل كأنها أشياء أو ميراث أو مقدسات لا يمكن الاقتراب منها أو العدول عنها.