2
ويختلف زعماء مدرسة تاريخ الأشكال الأدبية حول تصنيف الأشكال وأسمائها، ولكن أشهر التصنيفات هي تلك التي أوردها زعيما المدرسة ديبليوس وبولتمان. كما يصعب التمييز بين مقاييس التصنيف والعوامل التي ساعدت على تحديد الأنواع الأدبية مثل طريقة عرض المادة (صورة ومضمونا)، والباعث على وجودها الحالي (البيئة الحياتية التي ولدت فيها)، وأوجه الشبه بينها وبين الآداب الأخرى. كما يصعب تحديد الأنواع الأدبية من حيث الشكل فحسب دون أخذ المضمون في الاعتبار؛ إذ يمكن تحديد النوع الأدبي كما هو الحال في الأمثال التي لها ما يشابهها في العهد القديم وفي أدب الأحبار. فأمثال الرب لها شكل محدد؛ عبارة جبرية، صيغة استفهامية، خطاب أمري، تعجب نبوي، ولكن المضمون وحده هو القادر على تحديد نوع الفقرة أو المقطع أو أغلب الروايات التي ليس لها شكل واضح مثل الحكايات الخيالية أو الأساطير. ويكون هذا التصنيف مثاليا لو أن النص الأدبي يطابقه تماما، ولكن الحال ليس كذلك. فالتصنيف يعطي الشكل الأدبي في حالته الخالصة، ولكن في أغلب الحالات تكون الأشكال متداخلة
Mishform .
| رابعا: الأشكال الأدبية عند ديبليوس
يحدد ديبليوس الأشكال الأدبية في خمس، هي: (1)
النموذج
Das Paradigm :
وهي رواية حية جامعة تحتوي على مفارقات قصيرة وتهدف إلى إبراز جملة لعيسى أو عمل له في غياب التفصيلات التي لا فائدة منها وغياب أسماء الأعلام والمواقف المعينة في الزمان والمكان، وغياب رسم التشخيصات، وعدم وجود جوقة تسترعي انتباه المستمعين والمشاهدين. وكل ذلك بهدف التركيز على شخص عيسى، فقوله وفعله في صلب الإيمان الكنسي. ثم تنهي الجوقة الرواية برد فعل الجماعة على المشهد. ويتخلل النموذج حواران أو ثلاثة حول موضوع واحد. وكل منها يتكون من رواية مستقلة مركزة حول قول لعيسى الذي يحول السؤال الخاص في موضع خاص إلى إجابة مبدئية عامة. وأحيانا يجعل عيسى إجابة المحاور إجابته الخاصة كما هو الحال في قصة امرأة كنعان. وأحيانا يسبق القول إعلان تمهيدي لتأكيد المعنى وتقويته. ويختم عيسى الحوار بقول له أو تعليق لتعليم التلاميذ أو لتكملة المثال. ولا يشار إلى المحاورين إلا بطريقة غير شخصية مثل «البعض» أو باسم جمع مثل «الفريسيين» أو «الكتبة». وإذا كان المحاور متحدثا رسميا باسم جماعة يجيبه عيسى مخاطبا الجماعة كلها (باستثناء فقرة الغداء عند شمعون والحوار حول أعظم الوصايا). وإذا كانوا أصدقاء عيسى فتغيب التفصيلات مثل أقواله حول مارته ومريم. النموذج إذن شكل أدبي وعمل فني له منظر
setting ، وبه فعل
action ، وينتهي إلى حكمة أو قول مأثور. ويحدد ديبليوس للنموذج خمس خصائص: الاستقلال عن السياق الأدبي، الإيجاز والبساطة بسبب استعماله في الوعظ، الأسلوب واللون الديني دون الأدبي، الأسلوب التعلمي الذي يبرز أقوال عيسى، النهاية بفكرة مفيدة للوعظ أو حكمة لعيسى أو فعل منه أو رد فعل للمشاهدين. وهي مناظر قصيرة (من خمس إلى ثماني آيات) أطولها مناقشة عيسى مع الفريسيين وأقصرها رفضه إجراء المعجزات. وتحتوي على أقدم أسلوب للرواية المسيحية لذلك يسميها الأولى. ولما كان التبشير شهادة عيان تظل قيمتها التاريخية كبيرة. ويضع ديبليوس قانونا عاما لضبط صحتها التاريخية كالآتي: «كلما كانت الرواية قريبة من الوعظ كانت صحيحة تاريخيا.» ومن المستبعد تغييرها إلى روايات أدبية رومانسية خيالية خالصة. ويضرب المثل على ذلك بروايات الجزية (مرقص، 12: 13-17).
1 (2)
القصة (Tale, Novel) Die Nouvelle :
وهي رواية مختلطة تفصل عن قصد ردود فعل الدهماء تجاه عيسى الذي يعيد ابنة زائير إلى الحياة. فتعطي الرقم الصحيح بمناسبة تكاثر الخبز. كما أنها تصوغ حوارا بين عيسى ومساعديه، ولكن أقوال عيسى تفقد أهميتها أمام الرواية ذاتها ووصف المناظر وسرد الحوادث. وهي تدور حول معجزات عيسى في معظمها. ولم تنشأ في صورتها الحالية من الوعاظ بل من الرواة والمعلمين الذين رووا قصة حياة عيسى بمزيد من التصوير وإن لم يكن بفن. ومع ذلك يظهر الأسلوب الأدبي في الرواية أكثر مما يظهر في النموذج. تأتي أولا قصة المرض ثم «تكنيك» المعجزة، وأخيرا نجاح الفعل المعجز. فالقصة تنتمي إلى أسلوب أدبي أرقى من النموذج. وهي تشبه النموذج فقط في أنها روايات فردية كاملة في ذاتها، ولكنها تختلف معها بعد ذلك. فالقصة أطول من النموذج، وتحتوي على وصف تفصيلي موسع من وضع الراوي أو المعلم الذي يعشق فنه ويحب ممارسته. ولا يوجد بها مواعظ دينية لأنها في رأي ديبليوس لم تكن في التبشير، ولم يكن لها وضع مركزي في الكنيسة، وكانت أقرب إلى الروايات الدنيوية ذات الطابع البراجماتي. لم تكن غايتها تعليمية مثل النموذج؛ ولذلك تتناقض فيها أقوال عيسى ذات القيمة العامة أو لا تنتهي إلى أي نتيجة. وقد نشأت القصة كشكل أدبي عند ديبليوس من ثلاثة طرق؛ الطريق الأول: تطويل النماذج خارج سياق الوعظ؛ فقد اعتاد الرواة والمعلمون القصص طبقا لروايات المعجزات أو بأسلوب المفارقات الشائعة. فقدموا مضمون المعجزة وجعلوه أكثر غنى من النموذج، واستعملوا كل عناصر الرواية لجعل القصة أكثر حياة وغنى. والثاني: تقديم بواعث خارجية ربما غريبة على النماذج الأولى إذ يشعر ديبليوس مثلا أن قصة سير عيسى على الماء (مرقص، 6: 45-52، متى، 14: 22-23) ربما نشأت من دخول باعث التجلي الإلهي على الأرض في رواية بدائية عن عيسى وهو يساعد الناس في موقف صعب مثل هبوب عاصفة وشدة الرياح وهياج الأمواج. أما الطريق الثالث: فاستعارة مواد خارجية من الآداب الشعبية أو الدينية القديمة، وفي هذه الحالة كانت تؤخذ القصة كلها. وفي الأدب الهليني هناك قصص مشابهة تم استبدالها بالأساطير وتختفي فيها الحدود بين الله والمبعوث الإلهي. وأول قصة في مرقص شفاء الأبرص (مرقص، 1: 40-45).