تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبطبيعة الحال عندما يتحدث أورتيجا عن العصر الحاضر فإنه يقصد التجربة الأوروبية أي الغرب المعاصر. فقد أصبحت الحياة الجديدة ممكنة فيه بفضل ثلاثة عناصر: الديمقراطية الليبرالية، والتجربة العلمية وما ينتج عنها من تقنية، والتصنيع. ويبرز أورتيجا خلاصة هذه التجربة الأوروبية مبينا كيف كانت ثورة الجماهير في العصر الحاضر ردا على التجربة الأوروبية الماضية والتي استغرقت ثلاثة قرون. وقد انتهت هذه التجربة إلى الحقائق الثلاث الآتية: (1)

إن الديمقراطية الليبرالية القائمة على التكنولوجية هي أفضل أنماط الحياة. (2)

إن أفضل نمط للحياة الممكنة يوجب المحافظة على هذين العاملين؛ الديمقراطية الليبرالية والتكنولوجيا. (3)

إن كل محاولة للرجوع إلى الوراء إلى النظم السياسية السابقة هي محاولة انتحارية.

ولقد ساعد هذان العاملان؛ الديمقراطية الليبرالية والتكنولوجيا (مجموع الخبرة العلمية والتصنيع) الإنسان العادي على تسهيل الحياة المادية له ورفع مستوى معيشته. كما أعطياه قسطا وافرا من الراحة حتى أصبح العصر الحاضر خاليا من كل عقبات مادية. كما سهلت له حياته المدنية والأخلاقية. وإذا كان القرن التاسع عشر عصر الثورات فإن الثورة ليست تمردا بل وضع نظام جديد محل النظام القديم. وبذلك يمتاز الإنسان المعاصر بالتوسع في رغباته الحيوية وفي الوقت نفسه بعدم رضاه عما يسهل له حياته. وهذان هما العاملان النفسيان اللذان يحددان سلوك الطفل المدلل الذي لا يشبع مهما استجيب إلى طلباته والذي يعتبر كل ما يحصل عليه حقا مكتسبا. كذلك الوعي الأوروبي يشعر بأن ما وصلت إليه القرون الماضية خاصة القرن الماضي، وإنما أصبح حقا طبيعيا مكتسبا له. إن ما يشغل الجماهير الآن هو رخاؤها، ولكنها في الوقت نفسه تثور لطلب الخبز فتحطم المخابز، تثور على المدنية التي تنعم بها فيصيح هيجل: «الجماهير تتقدم.» ويعلن أوجست كونت: «عصرنا عصر ثوري تتولد عنه الكوارث.» ويصرح نيتشه: «أرى مد العدمية يقترب.» ومع ذلك يتميز العصر الحاضر بسهولة الحياة المادية، يقضي فيه الفرد حاجياته، ويرضى عن نفسه. إنه عصر إشباع الحواس، عصر التخمة، يفرض إرادته بالعمل المباشر. ومن هنا أتت نغمة الانتصار. تبدو له حياته العقلية والخلقية مرضية تماما، هذا الرضا عن النفس يجعل الإنسان المعاصر أصم عن كل ما يقال له فلا يملك إلا أن يفرض إرادته بالعمل المباشر . إن هذه الوفرة لا تسمح له بأن يعيش حياته لأن الحياة صراع الإنسان من أجل البقاء ومحاولته أن يكون ذاته. أما إنسان العصر التعايشي الذي يريد راحة بدنه وإشباع رغباته وسكينة نفسه فهو من بقايا الأرستقراطية الوراثية؛ إنه عصر عبادة الجسد (كما هو واضح في الأفلام، والاعتناء بالمظهر، وغياب الرومانسية في العلاقة مع الجنس الآخر). يتحدث أورتيجا عن العصر في مجتمع الاستهلاك الذي يشبع كل فرد فيه رغباته والذي يفيض منه الإنتاج عن حاجاته. وهو العصر الذي لم تعشه بعد المجتمعات النامية التي تهدد المجاعة بعض شعوبها وسوء التغذية البعض الآخر. بل إن هذه الموجة من التسهيلات التي تعم المجتمعات المتطورة أثارت جيلا من الشباب الغاضب فاجتاحت ثورة الغضب كثيرا من الأعمال الأدبية والفنية، وأنشأت حضارة مضادة

Conter-Culture

في مواجهة حضارة العصر السائدة. لقد شعرت أخيرا المجتمعات المتطورة بالوجه الآخر للعملة وهو فقدان الإحساس بالحياة أمام التسهيلات الجمة وتحويل الإنسان إلى عبد للآلة بعد أن كانت الآلة عبدا للإنسان. وما وصلت إليه المجتمعات المتطورة وشعرت بأوجه نقصه هو ما تحاول المجتمعات النامية الحصول عليه الآن وكأن التاريخ يعيد نفسه ولكن بصورة أقسى؛ لأن المجتمعات المتطورة تستهلك ما تنتجه في حين أن المجتمعات النامية تستهلك ما ينتجه غيرها. وإذا كانت المجتمعات المتطورة قد خسرت الآخرة فقط فإن المجتمعات النامية قد خسرت الدنيا والآخرة.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات فلسفية (الجزء الثاني): في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرةص ١٠٣