ثالثا:
العيش على مستوى العصر، ويدل هذا التعبير على أن الجماهير اليوم تعيش على مستوى الأحداث والمسئولية، تعيش زمانها الحيوي، وتعاني مشاكل عصرها. وهو ليس الزمان الذي تبينه عقارب الساعة أو نتائج الحائط السنوية، بل هو عصرها الذهبي الذي تشعر فيه بتحققها أي أنه زمان المعاصرة. وهو تعبير مغاير لتعبير السقوط أو الانهيار لأن العيش على مستوى العصر هو العيش في سمت الزمان
Le hauteur du temps
وعلى هذا النحو تشعر الجماهير بالأحداث. وكثيرا ما يرى الناس قمة الزمان في العصر الذهبي أو العصر القديم كما هو الحال عند دعاة الكلاسيكية أو التقليديين. وهي الفترة التي يشعر فيها الناس باكتمال الزمان أو انتهائه كما حدث للمسيحيين الأوائل بظهور المسيح أو عند هيجل بتحقق المطلق. وفي هذا العصر يكون الاكتمال في الإشباع أو في النجاح أو في الوفرة. إن المعاصرة هي أن يعيش الإنسان حياة عصره وأن يشعر أن حاضره أفضل من ماضيه. ومن خصائص هذا العصر أنه عصر الجماهير، ولا ترى أحداثه إلا من خلال الجماهير. لقد صعدت الجماهير إلى مستوى التاريخ، وظهرت كمبادرة تاريخية وكأنها في موعد مع القدر. قررت أن تتقدم إلى الصفوف الأولى وتحتل مكان الصدارة وأن تستعمل طرقا وأساليب وأدوات متنوعة، وأن تتمتع بمناهج كانت من قبل حكرا على عدد قليل. لقد ورثت الجماهير الصفوة، دون أن تلغي نفسها كجماهير. عصر الجماهير هو عصر الفخامة والعظمة على ما يقول اشبنجلر. وكل تفسير للعصر لا يظهر الدلالة الإيجابية المختفية لسيطرة الجماهير فإنه تفسير خاطئ. تبدو أصالة الجماهير في مدى ارتباطها بالتاريخ وتحملها مسئوليته؛ وبالتالي فإن عظمة العصر تأتي من عظمة الحاضر لا من عظمة الماضي. بل إن من سمات العصر تلك الهوة السحيقة بين الماضي والحاضر، العصر الحاضر لا يحتضر كما هو الحال عند أونامونو بل هو قمة الزمان، روح العصر، ما يطلق عليه كل جيل زماننا، عصر ازدهار الحضارات، عصر الملاء الحيوي بصرف النظر عن الإشباع أو النجاح أو التحقق. العصر الحاضر هو عصر الثورات سواء في البلاد المتطورة أو في البلاد النامية، ومن يعيش معاصرا هو من يعيش ثائرا، ومن يؤثر الاستكانة أو النكوص عن ثورة الجماهير فإنه يتخلى عن عصره، ويعيش معزولا في عصره الخاص كما يفعل كثير من علماء البلاد النامية الذين يقضون حياتهم في الخارج مؤثرين عصر التكنولوجيا واليسر على عصر ثورة الجماهير ؛ لذلك كان الالتزام بقضايا العصر هو العمل الفلسفي الأول، والمساهمة في ثورة الجماهير هو السلوك الوحيد الممكن. بل إن وحدة الثورة العالمية أصبحت ممثلة لحركة الجماهير.
تدل هذه الخصائص الثلاثة على نماء الحياة
La Croisssance de la vie
إذ يعيش كل فرد حياته بكامل قواه، لا يظهر النماء في ازدياد السرعة في الزمان أو في تخطي المكان بل في محاولة الهدم والبناء المستمرة وفي النشاط الحيوي الزائد. إذ يقدم العصر الحاضر في البلاد المتطورة إمكانيات واسعة للاختيار. وفي هذه الحالة يكون النماء هو شعورنا بالقدرة على الاختيار بين الممكنات التي تحتم نفسها علينا، وتكون الحياة هي العيش تحت ظروف معينة أو في العالم. وهو المعنى اللغوي للفظ عالم
Mundus
أي مجموع الإمكانيات الحيوية، والعالم بهذا المعنى، أي مجموع إمكانياتنا، أوسع نطاقا من مصيرنا وهي حياتنا الفعلية. يدل العصر الحاضر على زيادة إمكانيات الحياة الإنسانية في شتى الميادين الثقافية والعلمية على عكس إمكانيات الحياة البدائية. ولا تستطيع هذه الحياة الاتجاه إلى الماضي بل ترى مصيرها في نفسها. حياتنا لا تتجه إلى الوراء بل تكشف عن نفسها وقدرها. ولما كان الإنسان مقذوفا في الزمان، والعالم موجودا من قبل فالإنسان موجود في العالم وهي إحدى المقولات الرئيسية في الفلسفة الوجودية. لا تختار الحياة عالمها بل على العكس يجد الإنسان نفسه حيا في عالم محدد لا يمكن استبداله، أي في هذا العالم الواقعي. عالمنا هو جزء من المصير الذي يشمل حياتنا. هذا المصير الحيوي ليس مصيرا آليا بل هو مصير يتطلب اختيارا بين الممكنات. لم نقذف في الوجود مثل طلقة بندقية تحدد مسارها من قبل بل فرضت علينا مسارات عدة تضطرنا إلى الاختيار. أن يحيا الإنسان هو أن يشعر حتما باضطراره ممارسته حريته، يقرر ماذا يريد أن يكون في هذا العالم. ولو كنا يائسين فقد قررنا ألا نقرر. ومن الخطأ التسليم في الحياة بأن الظروف هي التي تقرر نيابة عنا، بل على العكس الظروف هي التي تكون بنود المأساة التي تتجدد باستمرار والتي تدفعنا إلى أخذ موقف. شخصيتنا هي التي تقرر في الموقف. وهذا تماما ما انتهى إليه عديد من فلاسفة الوجود المعاصرين مثل ياسبرز في «المواقف المحددة»، ومثل قول سارتر المشهور: «إن الإنسان قد حكم عليه بالحرية.» ومثل نظرية برجسون في الجبر الذاتي، واضطرار الإنسان أن يكون حرا. أن يحيا الإنسان هو أن يوجد في الظرف أي في العالم. والعالم مجموع إمكانياتنا، والفرد هو اختيار أحدها ثم تحقيقها. بل إن أسوأ الإمكانيات هي إحدى الإمكانيات؛ لذلك كان الموقف والقرار هما أهم عاملين في الحياة. الظرف هو مجموع الإمكانيات، والقرار هو اختيار إحداها، الموقف لا يقرر بل الحرية هي التي تقرر. وهذا كله مرهون بالإنسان الفرد. أما الإنسان الجماهيري فإنه باعتباره فردا يحمل في طياته إمكانيات خالصة، خيرا كانت أم شرا، ولكنه باعتباره جماهيريا فإنه ليس صاحب القرار. الجماهير لا تقرر شيئا لأن دورها قاصر على الموافقة على قرار الأقلية التي تقدم برنامجا يعبر عن الحياة الجماعية في النظم الديمقراطية. وفي الغالب يعيش ممثلو السلطة العامة دون برامج. ويحكمون يوما بيوم طبقا للمنفعة العاجلة وكما تحتم الظروف تبعا لضغط الجماهير عليهم؛ لذلك لا تخلق الجماهير شيئا بالرغم من إمكانياتها الواسعة. ويستطرد أورتيجا معبرا عن هذا الموقف الوجودي الذي يشترك فيه جميع فلاسفة الوجود وهو أن وجودنا في هذا العالم رسالة ومشروع، وأن هذا المشروع لا يكون من المعرفة وحدها بل من السلوك أولا، وأن المعرفة تكون ضرورية فقط بقدر ما يتطلبه السلوك. أن يحيا الإنسان هو أن يكون في علاقة بالعالم، وأن يصطدم بمشكلات، ويجابه أخطارا، ويحمل مسئوليات، كل ذلك وهو في مواقف محددة تجعله أقرب إلى التبعية أو الاستقلال. أن يحيا الإنسان هو أن يشعر بمحدوديته وأن يتعامل مع المحددات بحيث يتم تجاوزها والتحرر منها فيتخلق الإنسان بنفسه معتمدا على نفسه دون أن يلجأ إلى عون خارجي. وإذا كان شعار الحياة قديما هو أن يشعر الإنسان بحدوده والاعتماد على ذاته فإن الحياة الآن هي أن يشعر الإنسان بقدرته على تجاوز هذه الحدود والاعتماد مطلقا على ذاته. إن الإنسان الممتاز يتطلب الكثير من نفسه، أما الإنسان العادي فإنه يرضى بوضعه، ويقنع بظرفه، ويستسلم للموقف. العالم موجود بالفعل، والإنسان موجود في العالم. والسؤال الذي وضعته الفلسفات المثالية عن وجود العالم لا معنى له لأن العالم موجود بالفعل قبل السؤال عنه. وما دام إنسان هناك فالعالم جزء منه.