كنت أتمنى أن تكون مصر كما كانت في الستينيات زعيمة للأمة العربية وقائدة لنهضتها القومية والاشتراكية، قادرة على تجميعها، وتكون العالم حولها، كما فعلت في تكوين دول عدم الانحياز والحياد الإيجابي، ودول العالم الثالث، والشعوب الآسيوية والأفريقية وأمريكا اللاتينية، تكون لها الأغلبية في الأمم المتحدة، ولا يجرؤ أحد على المساس بها أو غزوها أو تكوين قواعد عسكرية فيها أو إدخالها في أحلاف مثل حلف بغداد أو حلف القاهرة والرياض وتل أبيب أو صفقة أو صفعة القرن التي يتم تنفيذها الآن بعد تغيير اسم الشرق الأوسط الجديد أو الشرق الأوسط الكبير تكون إسرائيل مركزه بديلا عن مصر. وكما كنا في الستينيات بؤرة للعالم الثالث مركزه مصر والهند ويوغسلافيا، ناصر ونهرو وتيتو، نكون الآن بؤرة لتحالف جديد بين مصر وتركيا وإيران، نملأ الفراغ في الشرق الأوسط بدلا من مشاريع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير الذي تملؤه أمريكا وإسرائيل، فلا نخسر دولتين لنا معهما إرث ثقافي وسياسي مشترك بسبب وجود الإخوان في تركيا والثورة الإسلامية في إيران، فيعود الخيال السياسي ليتحرك في مصر بدلا من أن تظل يدها ممدودة غربا وشرقا كي تعيش. تركت العراق مجزأة، وسوريا مدمرة، وليبيا متقاتلة، واليمن مشتتة الصف. وقد توفي عبد الناصر وهو يصالح الأردن مع المقاومة الفلسطينية من كثرة الإجهاد للذهاب للمطار لاستقبال الرؤساء وتوديعهم، بدلا من أن يذهب رئيس أكبر دولة عربية لاستقبال ولي عهد دولة عربية أخرى مخالفا قواعد البروتوكول السياسي. تخلت مصر عن دورها المركزي في قلب الوطن العربي، فانهالت عليها الضربات من الشرق، روسيا، ومن الغرب، أمريكا، ومن الشرق، إيران، ومن الجنوب، الحبشة.
أتمنى أن أعيش عاما أو عامين لأكمل «هيجل والهيجليون الشبان» (اليسار الهيجلي)؛ وبالتالي أكون قد أديت مهمتي للفكر وللوطن، للجامعة والمجتمع. لا أغضب من أحد، وأسامح الجميع، وأشعر بالسيد المسيح في قلبي يدفعني إلى التسامح والمحبة، عفا الله عما سلف، وأحاول أن تنتشر هذه الروح في القسم؛ المصالحة.
إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم . وضعت وديعة باسمي في الكلية للصرف من ريعها السنوي على النشاط العلمي للكلية والأقسام في إقامة ندوات ومؤتمرات حتى لا يعيش كل قسم في عزلة عن الآخر، وكلها تدرس نفس الموضوع «اللغة»: اللغات العربية والفرنسية والإنجليزية والألمانية واليابانية والصينية، أو العلوم الإنسانية، علوم النفس والاجتماع والفلسفة والتاريخ والجغرافيا، كما جعلت للأقسام ودائع أخرى، قسم اللغة العربية ذكرى لأخي سيد، وقسم الدراسات اليونانية واللاتينية الذي رشحني لجائزة الدولة التقديرية، وربما قسم الفلسفة الذي عشت فيه أستاذا خمسين عاما منذ 1966-2018م، وقبلها أربع سنوات أخرى طالبا (1952-1956م)؛ لأنه لم يرشحني لأي شيء، ومن رشحه القسم لم ينل إلا صوتا واحدا أو صوتين في مجلس الكلية. ووزعت الربع الأخير على عمال الكلية بالتساوي. واكتشفت بعد أن قررت الدولة التعامل بالفيزا أن الفرق بين المرتب والمعاش لم يصلني منذ هذا النظام؛ أي منذ أكثر من سنتين. وحولتني الشئون المالية بالكلية إلى إدارة المعاشات في أول شارع الهرم لأن ذلك ليس من اختصاصهم. وذهبت مع سائق تاكسي حدثني عن صدقه وأمانته ونسيان أحد أثرياء العرب لفة بها الملايين من الجنيهات أو الدولارات لا أذكر، ووجد فيها بطاقته، وذهب إليه ليعطيه إياها، وعرض عليه المكافأة الكبرى التي رفضها وطلب فقط نسبته الشرعية وهي 10٪، وهو سائق لواء بالجيش، ولا يعمل سائقا، وقادر على تصليح كل شيء؛ نجارة وحدادة وسباكة وكهرباء. ومكثت في إدارة المعاشات دقائق معدودة لأن إدارتي في كوبري القبة، ورأيت سائق التاكسي في انتظاري مع أني لم أطلب منه ذلك، وأوصلني إلى مدينة نصر، وأعطيته ضعف الأجر لأنه بلا عداد، وطلب المزيد فأعطيته ما أراد. وطلب بيته، وكان يتكلم في المحمول ولم يشعر أن العربة التي أمامه قد توقف صاحبها فجأة لوجود مطب على الكوبري، فاصطدمت عربته بالعربة الخلفية. وإلى الآن ما زالت الإدارة المالية تحيل من يذهب إليها بخصوصي إلى المعاشات مع أن المعاش يحول إلي عن طريق البنك بانتظام. وأخشى أن يكون في الأمر فساد بعد أن أصبح هو المصدر الأول للرزق للفقراء والأغنياء على حد سواء، فساد بالمئات أو فساد بالآلاف أو فساد بالملايين أو فساد وتهريب إلى الخارج بالمليارات كما حدث من المخلوع وأنجاله وصحبه، وأقاربه. ثم عرفت أنهم كانوا يحولون الفرق بين المرتب والمعاش إلى البنك عندما تكاثرت عليه الأسئلة من الزملاء.