والآن وقد اكتمل المشروع، وقاربت حياتي على الانتهاء؛ إذ لما سمع أبو بكر آية:
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ، قال: «إن الرسول ينعى نفسه.» ولم يبق لي إلا هيجل واليسار الهيجلي أو الهيجليين الشبان؛ لبيان أهمية هذه الفترة من الفلسفة الغربية؛ فقد استطاع هيجل أن يحول الدين إلى فكر، والعقائد إلى حياة؛ فالتثليث هو الجدل الهيجلي، والتجسد هو الروح في التاريخ، والمطلق في الدولة. والدين والمثالية قرينان منذ كانط، وهيجل في النهاية هو أحد تلاميذه جمع بين كتبه النقدية الثلاثة، نقد العقل النظري، ونقد العقل العملي، ونقد ملكة الحكم في عقل واحد، لا يفرق بين الظاهر والشيء في ذاته؛ فالعقل والغائية في التاريخ؛ فالماركسية هي التطور الطبيعي للدين، من العقائدية إلى المثالية إلى الإنسانية إلى الواقعية الاجتماعية. ولا فرق بين الإيمان بالمسيحية والإيمان بهيجل؛ فهيجل هو المسيحية العاقلة، والمسيحية المثالية هي هيجل التاريخي. ثم جاء تلاميذه ونقدوا مثاليته، مثالية الأستاذ والتي لا فرق بينها وبين الدين المسيحي؛ فالحقيقة تحت المثالية في الواقع، في المجتمع وحياة الناس، الفرد عند شترنر، والوعي الذاتي عند باور، والإنسان عند فيورباخ. ثم جاء تلميذ آخر، كارل ماركس، فنقد التلاميذ، العائلة المقدسة؛ فهم ما زالوا مثاليين مثل الأستاذ. أما الحقيقة لديه فهي الحياة المادية، الصراع بين الفقراء والأغنياء، بين من لا يملكون ومن يملكون، بين الحرية والاستعباد.
وكان بودي أن أنجز تفصيلات لما تركته عاما مثل «مقدمة في علم الاستغراب»؛ فالإعلان عن كونه مقدمة يوحي بأن أجزاء أخرى ستأتي؛ فقد أعلن في مشروع «التراث والتجديد» أن موقفنا من التراث الغربي وهو علم الاستغراب يشمل ثلاثة أجزاء: الأول، مصادر الوعي الأوروبي خاصة المصادر الأفريقية والآسيوية كما فعل مارتن برنال في الجزء الأول من «أثينا السوداء» لتحليل المصدر الأفريقي للحضارة الأوروبية. والثاني، تكوين الوعي الأوروبي؛ أي مراحله القديمة اليونانية والرومانية، الوسطى المسيحية، الحديثة في عصر الحداثة، وبالتوثيق اللازم كما فعلت في «موقفنا من التراث القديم». وكان هذا يحتاج عمرا جديدا لا أملكه، وعوضا عن ذلك ساندته ببعض الترجمات مثل «نماذج من المسيحية في العصر الوسيط» والجزء الثاني من «قضايا معاصرة في الفكر الغربي المعاصر»، و«دراسات فلسفية»، كما ساندته ببعض الترجمات مثل «رسالة في اللاهوت والسياسة» لإسبينوزا، و«تربية الجنس البشري» للسنج، و«تعالي الأنا موجود» لجان بول سارتر؛ حيث يضع التقابل بين «الأنا أفكر»
Cogito
في بداية عصر الحداثة و«الأنا موجود»
Ego
في نهايته أو ما أسماه هوسرل الكوجيتاتوم
Cogitatum ؛ فالأنا ذات وموضوع، وبينهما إحالة متبادلة. ولو امتد بي العمر لنقلت إلى العربية «جوهر المسيحية» لفيورباخ حيث يحول فيه الثيولوجيا إلى أنثربولوجيا، وذلك لمساندة محاولات المعاصرين بمشروع مشابه داخل الحضارة الإسلامية، وكتابي الأخيرين عن «برجسون، فيلسوف الحياة»، «فشته، فيلسوف المقاومة». وكان بودي الكتابة عن فلاسفة الحياة، ليس بالضرورة كتبا، ولكن يكفي المقالات العلمية كما كنت أفعل في بداية حياتي العلمية الفلسفية في «الفكر المعاصر» و«تراث الإنسانية» و«الكاتب» و«المجلة». وقد جمعت فيما بعد في «قضايا معاصرة» (جزءان)؛ الأول «في الفكر العربي المعاصر»، والثاني «في الفكر الغربي المعاصر»، وأيضا في «هموم الفكر والوطن» (جزءان). كنت أود أن أكتب عن فلاسفة الحياة الذين أتوا ليملئوا الفراغ بين العقليين والحسيين مثل دريش
Driesch ، دلتاي
Dilthey ، جويو
Guyau ، فوييه
Fouillée ، ثم فلاسفة الشخصانية مثل مونييه بعد أن قدمها محمد عزيز لحبابي في المغرب باسم الشخصانية، وهو مؤسس مجلة «روح»