تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان الوالد موسيقيا بالجيش بفرقة البيادة المصرية، يلعب الترمبون، يرفض اللعب في الأفراح لأنه كان يعتبر ذلك إهانة له وللفن وللجيش، يشارك كضيف نعم، أما كلاعب فلا، باستثناء حفل التخرج السنوي لمدرسة الجزويت بالفجالة التي كان يقدرها؛ ربما لحضورها الأجنبي أو للغتها الفرنسية أو للعشاء الفاخر الذي كان يقدم للموسيقيين، وكان يأخذني لأتفرج على عالم جديد غير عالم المدارس الحكومية الفقيرة والتي يحرم كل شيء فيها. وقد كان هو أستاذ الموسيقار الشهير لفرقة رضا، علي إسماعيل، ولما رأى فيه النبوغ نصحه باللجوء إلى المعهد العالي للموسيقى الذي كان يشترط الحصول على التوجيهية؛ أي شهادة الثانوية العامة، فقمت بالتدريس له، نظام الثلاث سنوات في سنة واحدة. كنت أذهب إليه في حي الدقي. ولما نجح أصبح أشهر لاعب كلارينيت في مصر. ظهر في أغنية «عاشق الروح» الأخيرة في فيلم «غزل البنات». ولما أنشئت فرقة رضا للفنون الشعبية أصبح ملحن أغانيها الراقصة الشعبية، وقائد فرقتها. وكنت أذهب إليه أحيانا في مسرح البالون أنا وصديقي محمد وهبي عبد العزيز، فيدخلنا مجانا، وكان أخوه رجب مجرد عازف للأبوا في الفرقة، وكان كلاهما يحبان الجنس الآخر؛ رجب لابنة عمه، وعلي للفنانات شأن معظم الفنانين في ذلك الوقت.

وكانت ستي يامنة وخالتي أم عبد الله تحضران من بني سويف إلى القاهرة لحضور حادث الولادة. وكانت ستي من قبيلة بني مر في أسيوط، جنوب بني سويف، ثم نزحت إلى الشمال، وهي القبيلة التي منها الزعيم عبد الناصر. وكان جدي قد نزح من الأندلس إلى المغرب ثم انتقل شرقا واستقر في بني سويف عائدا من الحج، وأصبح تاجر دقيق بجوار محطة القطار، وما زلت أذكر شعره الأشقر ووجهه الأحمر. وأراد أن يزوج أبي قبل الذهاب إلى التجنيد، فأخذ بيده إلى منزل ستي بجوار مدرسة زعزوع خلف المركز، وطلب من ستي يد ابنتها، وكانت نائمة، فرفعت الغطاء من على وجهها ثم سأل جدي أبي إذا كانت تعجبه فأجاب بالإيجاب. واستيقظت والدتي فوجدت نفسها قد تزوجت وهي نائمة؛ فالاختيار ليس لها. ثم نزحا معا إلى القاهرة، حي السيدة زينب، بجوار مدرسة السنية، ثم بعد ذلك انتقلا إلى باب الشعرية حيث ولدنا أنا وأخي وجميع أخواتي. وما زلنا جميعا نحن إلى هذا الحي الذي أصبح رمزا للأصالة كلما أحسست أنني انتقلت من طبقة لأخرى، وكلما أحسست أنني اغتربت عن أصالتي وعن سلوكي الشعبي.

وكانت خالتي لا تنجب، ولا تحتاج إلى أموال ستي أو أن ترثها، فكانت ستي تعطي والدتي ما تيسر من مال ليساعدها على المعيشة. كان لستي عدة بيوت ريفية قسمتها مناصفة بين أمي وخالتي، ونحن في الجامعة وفي حاجة إلى مصاريفها. كانت والدتي تذهب إلى بني سويف وتهمس في أذن ستي فتوافق على بيع أحد البيوت. بيعت أربعة بيوت ونحن في أربع سنوات الجامعة، ثم اندارت ستي وأقنعت خالتي ببيع بيوتها وهي عاقر بالرغم من زواجها وطمع زوجها في صيغتها في يديها. ولما اقتنعت وتوفت ستي أقنعت والدتي خالتي ببيع آخر بيوتها، وتأتي لتعيش معنا في القاهرة حتى تجد من يساعدها، وكانت عرجاء؛ رجل طويلة وأخرى قصيرة بعد أن وقعت من على السطح وهي تطعم الدجاج، فانزلق بها السلم، ولم يكن في ذلك الوقت أطباء، فاكتفت بالوصفات البلدية والجبيرة ولكن ظل العظمان متفرقين. وبالفعل عاشت خالتي آخر سنواتها معنا في 13 شارع الجنزوري بالعباسية بعد أن أصبح المنزل الذي ولدنا فيه معرضا للانهيار. وبالفعل هدمت الأدوار العليا الأربعة وبقي الدور الأول الذي ولدت فيه.

وكان أبي قد توفي فيها، ورأيته أنا وزوج أختي الكبرى في لحظته الأخيرة، ورأيت الروح وهي تصعد وأبي يتألم إلى أن فتح فمه ثم توقف عن الحراك. وما زلت أتساءل: هل الروح في لحظتها الأخيرة تخرج من الفم؟ وكنت أسمع وأنا صغير دون أن أشاهد أن الروح تبدأ بأخمص القدمين وتنتهي تدريجيا إلى أعلى. وما إن خلت غرفة في الشقة حتى استدعيت خالتي للعيش فيها، وكانت سعيدة، بينها وبين أفراد الأسرة منافسة على الطعام. كانت تعتبر أولاد أختها أولادها، يأخذون منها العيدية في كل عيد. الوالدة ليس لها شهادة ميلاد؛ فلم يكن مطلوبا منها ذلك، ولكنها كانت تقول إنها أصغر من الوالد بحوالي عشر سنوات.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٧