الفصل الثامن
| رئاسة القسم ومحاولة تكوين مدارس فكرية (1987-1995م)
عدت إلى الجامعة وأنا في شوق إليها، إلى الطلبة والقسم، خاصة وأنها السنوات الأخيرة قبل أن أحال إلى المعاش. تسلمت رئاسة القسم عام 1988-1994م على فترتين متتاليتين، كل فترة ثلاث سنوات. وكان همي هو ربط القسم فلسفيا، وتعاون الأساتذة مع بعضهم البعض لأداء الفلسفة كرسالة، وليس فقط كمهنة. كانت مهمة صعبة، كيفية التعامل مع الزملاء ومع تضارب المصالح وتدخل الأهواء البشرية مثل الغيرة والحقد. وكنا نضع في لجان الامتحانات أسماء زكي نجيب محمود صوريا ويأخذ القسم مكافأته للصرف على المناسبات التي تمر بالقسم، فذهب أحد الأساتذة ومضى بالاستلام من الصراف بعد أن أعطاه «بقشيشا» كبيرا ليزيحني مع أنه ضد القانون، وذهب إلى الأستاذ الكبير وأعطاه مكافأته، وأبلغه أن رئيس القسم هو الذي يأخذ هذه المكافأة وليس القسم، فذهبت إليه، وشرحت إليه هذا الأمر وقال لي: «كان من المستحسن إبلاغه، وعمل ذلك بطريقة أفضل.» فاعتذرت إليه. وحاول بعض الأساتذة مقاطعة جلسات مجلس القسم حتى لا يكتمل النصاب فيبطل الاجتماع، لكن كان النصاب باستمرار مكتملا؛ فبعد عام عادوا لحضور مجلس القسم مثل العصا في العجلة الدائرة. تحملت كل شيء بحكمة وعدل، فأدخلت في القسم عدة مواد جديدة أو حاربت من أجل إدخالها، فلسفة التاريخ للسنة الرابعة، وكنت أدرس المادة فأثير سؤال: في أي مرحلة من التاريخ أنا أعيش؟ بعد عرض فلسفات التاريخ في الغرب. وسؤال: لماذا لم يظهر موضوع التاريخ في تراثنا باستثناء ابن خلدون؟ كما أدخلت الفكر العربي المعاصر حتى يتخرج الطالب وهو على علم بما يدور حوله وبماذا يفكر الناس. وحاربت من أجل إدخال فلسفة اللغة التي أصبحت أحد المداخل للفكر الغربي المعاصر. وأدخلت فلسفة الدين في السنة الأولى بحيث يعرف الطلاب أن الدين علم يمكن دراسته في علم تاريخ الأديان. وجاهدت من أجل إدخال اليهودية مع المسيحية في فلسفة العصور الوسطى. ويحاول البعض الآن إدخال «فلسفة البيئة»، و«فلسفة المرأة»، و«فلسفة حقوق الإنسان» ولو في الدراسات العليا. واستدعيت أساتذة زائرين مثل حسام الدين الألوسي من العراق في الفلسفة العامة، أنور عبد الملك من مصر في الفلسفة السياسية، ورشدي راشد من مصر ومن المركز الوطني للبحث العلمي بباريس في فلسفة الرياضيات، وسيد حسين نصر من العراق في الفلسفة الإسلامية حتى يسمع الطلاب أصواتا جديدة في الفلسفة.
ولما أصبح رئيس الغيورين رئيسا للقسم لم أستطع الجلوس فيه حتى تقل هذه الغيرة وينضج من كل كلمة يقولها أو فعل يفعله؛ فكنت أجلس في قسم اللغة العربية المجاور، ولي فيه أصدقاء، يقابلني الزملاء والطلبة هناك، ولا أحضر مجالس الأقسام حيث الكراهية تشع من العينين. وأزيح من رئاسة القسم، ولم يكمل دورته، فعدت إليه، وكان القسم ما زال في المبنى القديم، وكان في حالة يرثى لها؛ فالأساتذة مع الرئيس أيا كان بحثا عن مصالحهم الخاصة كما يحدث في الدولة. وتحول القسم إلى عصابة، ورئيس قسم آخر يفتح الباب بدفعة من قدمه احتقارا له، وثالث يساند في جانب ومثله في جانب آخر كما يفعل المنافقون، وآخر عقله في القسم، ولكن قلبه مع منصب أعلى يتطلع إليه؛ فرئاسة القسم سلم للعمادة، والعمادة سلم لرئاسة الجامعة، ورئاسة الجامعة سلم للوزارة، والوزارة خطوة نحو رئاسة الحكومة، بل أصبح رئيس القسم موضوعا للتندر والسخرية في المسرحيات الذكية مثل «أستاذ ورئيس قسم».
وكان همي إنما هو تكوين مدرسة فكرية في القسم كما فعل طه حسين وأمين الخولي بقسم اللغة العربية، ومصطفى عبد الرازق بقسم الفلسفة، ومحمد أنيس بقسم التاريخ، ومحمد صقر خفاجة بقسم الدراسات اليونانية واللاتينية، ورشاد رشدي بقسم اللغة الإنجليزية.