وفي نفس الوقت الذي أدبر فيه حياتي الشخصية كنت أكتب مشروع الدكتوراه، الرسالة الكبيرة أو الأولى «المنهاج الإسلامي العام»
La Méthode Islamique Générale . وقدمته إلى هنري لاوست الذي كان أستاذا بالكوليج دي فرانس
Collège de France
والتي كانت تعطي العلم دون الدرجات العلمية، والتي كانت نشأتها منافسة للسربون وراعية للفكر الحر في مقابل الفكر التقليدي. كان فيها برجسون وميرلوبونتي ورينان وماسنيون. فقرأه وأعجب به، ولاحظ نقص المصلحين؛ فهو مؤرخ، يهتم بالتاريخ، وليس فيلسوفا تجذبه الأفكار. وكنت قد كتبت مقدمة تاريخية طويلة عن مفكري الإصلاح الديني؛ فقد كنت أعتبر نفسي امتدادا لهم مع مزيد من الجرأة والشجاعة، فعرضته على ماسنيون، وكان أيضا أستاذا بالكوليج دي فرانس فأعجب بالأفكار وسألني: ألم تقرأ أصول الفقه الذي أوصى عندكم مصطفى عبد الرازق بقراءته؟ ودعاني إلى منزله كل يوم في مكتبته للاطلاع على علم أصول الفقه؛ فبحثي «المنهاج الإسلامي العام» أقرب إلى محاولة في علم أصول الفقه. وكان يقوم على تصورين، ثابت
Statique
ومتحرك
Dynamique . والثابت يتكون من عنصرين، التصور
Concept
والنظام
Ordre . والنظام يتكون من شيئين، الطاقة
Énergie
والحركة
Movement . وأدركت فيما بعد أن التصور هو علم أصول الدين، والنظام هو علم أصول الفقه. أما الطاقة والحركة فيقعان في التصوف. وكانت قراءتي الشاطبي في «الموافقات» فتحا جديدا، ثم «المستصفى» للغزالي الذي تغيرت صورته في ذهني من الصوفي إلى المنطقي الأصولي. وكنت قد سمعت عن العلم ولكني لم أقرأه، وسمعت عن رسالة علي سامي النشار في «مناهج البحث عند المسلمين»، رسالته للماجستير بتوجيه من أستاذه مصطفى عند الرازق، ولكني لم أقرأها. وذهبت إلى كوربان
Corbin
الذي كان يجمع بين الفلسفة والدراسات الإسلامية والتصوف الشيعي. ولاحظ أن الموضوع هو «التأويل». وكان هو المستشرق الذي يتخصص في التشيع والفيلسوف الذي كان أول من ترجم أجزاء من «الوجود والزمان» لهيدجر إلى الفرنسية، ثم حذرني ماسنيون من كوربان قائلا: حذار من التأويل الشيعي الباطني الذي قد تتوه فيه، ونصحني أن أظل في علم أصول الفقه؛ فهو علم عقلي مضبوط. واتفقنا على أن يكون الموضوع «مناهج التأويل: دراسة في علم أصول الفقه»
Les Méthodes d’Exégèse, Essai sur la Science des fondements de la compréhension, Ilm Usul Al Fiqh ، ثم طلب من برنشفيج مدير مركز الدراسات الإسلامية أن يسجل الموضوع تحت إشرافه لأنه جزء من السربون. وقرأ الفلاسفة الخطة، فقال جان فال: إني أحب الإسلام ولكني لست متخصصا فيه. وقرأ جان جيتون الخطة فقال هذا برجسون، الطاقة والحركة، ولكنه ليس متخصصا في الإسلام، لا يستطيع أن يشرف علي، وحولني إلى رينان الذي جمع بين الاستشراق والفلسفة الهيجيلية. ولما رأى ماسنيون هيئتي المتواضعة سأل: كيف أعيش؟ فقلت له: بلا شيء. وكانت العلاقات بين مصر وفرنسا مقطوعة بسبب العدوان الثلاثي عام 1956م، ومع ذلك كتب إلى أندريه ميكيل بالعلاقات الثقافية بوزارة الخارجية أن لديه طالبا ممتازا يحب أن يحصل على منحة دراسية. ولما كان ذلك ممنوعا رسميا أعطيت لي نصف منحة عشرون جنيها، بدلا من أربعين عام 1959م، ثم تحولت إلى منحة رسمية بعد أن أعيدت العلاقات مع مصر عام 1960م حتى عام 1964م. وفي نفس الوقت عينت مدرسا للهجة المصرية في مدرسة اللغات الشرقية الحية مع كساب، سوري الجنسية، لتدريس اللهجة الشامية، مع لوسيرف
Le Serf . وكنت أذهب إليها كل يوم لعدة ساعات في الأسبوع، بالإضافة إلى ما كنت أترجمه من وثائق صغيرة من العربية إلى الفرنسية، التي كان يتركها حاجب المحكمة الفرنسية كوثائق مقدمة إلى القاضي، ثم يدفع إلي ثمنها في المرة التالية، دون أن ينتظر بواب المبنى أي «بقشيش». وكنت أخصصها لشراء النصوص الفلسفية. وكان تعليم اللهجات يتم عن طريق سماع الطلاب مقتطفات لعبد الحليم حافظ أو أم كلثوم أو لمشاهير المغنين الشعبيين المصريين أو السوريين. وكانت هذه أول مرة أحب فيها الغناء الشعبي بينما كنت متعودا على الموسيقى «الكلاسيكية» الغربية مثل بيتهوفن وشرقية مثل سيد درويش. ولما أتى المشير إلى باريس 1965م، وشكونا إليه قطع المنح أعطت مصر العشرين جنيها حتى عدت عام 1966م. وكنت أعبر نهر السين من مدرسة اللغات الشرقية حتى المكتبة الوطنية