تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم عادت إلى باريس بعد عام لتعرف موقفي، وبعد أن بينت لها أن لا موقف لي إلا العلم، قالت: يا عبيط! وعادت إلى ألمانيا، ولم أرها بعد ذلك. والألمانية الأخيرة التي عرفتها وأنا في باريس ظلت معي حتى عدت إلى مصر، وجاءت بعدها إلى مصر لزيارتي، وطلبت من والدتي أن أتقدم لها ووافقت والدتي، فأجابتها: ولكنه لا يريد، وذهبت بمفردها إلى الأقصر وأسوان، ثم رأيتها في إحدى زياراتي إلى باريس، وتصورت أنها ما زالت صديقتي، فاستغربت؛ فإن الزمن قد ولى، ثم تلقيت منها رسالة أخيرة بعد أن قرأت عن فكري في إحدى الصحف الألمانية، ذاكرة إياي بالاسم بأنني أصبحت من كبار مفكري الوطن العربي من خلال مشروع «التراث والتجديد». رددت عليها وشكرتها، ولا أظن في العمر بقية حتى نتذكر ما مضى. وقد ازدادت معرفتي باللغة الألمانية منها على مدى أربع سنوات، وزرتها في هيلدسهايم

Hildesheim ، وتعرفت على أخيها المزارع ومربي الخنازير. زرت معها أرجاء فرنسا في الصيف وألمانيا وإسبانيا، تسوق عربتها، ثم نقتسم باقي المصاريف مناصفة. وفي ليلة استيقظت على ضجة في المزرعة، فأيقظتها وسألت: ما هذه الضجة؟ فقالت: مجرمون لصوص الخنازير. فقلت: ولماذا لا يطاردهم أخوك؟ قالت: لأنهم مسلحون قتلة، والأفضل أن نفقد خنزيرا أو اثنين على أن نفقد أخي، فتساءلت في نفسي: أين الشجاعة الألمانية؟

وبعد أربع سنوات إقامة بالمدينة الجامعية أقمت سنتين بغرفة مزدوجة مع مبعوث مصري في القانون الدستوري، وكان لديه صديقة روسية يقضي لديها عطلة نهاية الأسبوع، وأخرى فرنسية التي كان يراها وسط الأسبوع والتي زارته في مصر رغبة في الزواج منه، وكانت جميلة شقراء. وكانت لها صديقة فرنسية حاولت مصادقتها فلم أفلح بالرغم من جمال تسريحتها الأسبوعية؛ فلم أكن أستطيع التعرف عليها ولو حتى الصداقة. وكانت له صديقة طياري ثالثة جاءته مرة لزيارته. ولم يكن موجودا، فقالت وماذا أفعل الآن؟ فأجبت أنا موجود، فأجابت أيكما يقضي الأمر، ويقوم بالواجب. وأدركت حاجة المرأة للجنس بصرف النظر عمن يقوم به. وكانت الصديقة الروسية تود الزواج به بعد أن كان يقضي عطلة الأسبوع في منزل والديها، وتقدمه لهما على أنه صديقها، ولما لم يحدث ذلك قاطعته، فحزن حزنا شديدا، ولم يفرغ حزنه وهمه إلا صديقته الفرنسية. وبعد أن استنفدت جميع حقوقي كطالب في المدن الجامعية، سكنت من جديد في دانفير روشيرو آخر عام في غرفة السطح، وما زال اسمي على لوحة أسماء السكان للبريد؛ فالصداقة لها حقوقها مثل الزواج في بلادنا؛ فلا تجوز خيانتها. وفي السنة الأخيرة تعرفت بالمصادفة على فتاة فنزويلية قصيرة سمراء ولكنها مملوءة بالحيوية، تعلو فوق وجهها ابتسامة شرقية. ولما كنت من أنصار لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية دخلت قلبي في التو واللحظة. دعوتها إلى غرفتي فاستجابت، وكانت على علاقة بفرنسي يبدو أنه وعدها بالزواج. علمتني الحياة. كونت شخصيتي التجارب. ولا أدري إذا كنت قد أحسنت.

وبالرغم من أنني تزوجت عن حب وكنت موفقا في زواجي، وكانت زوجتي موضع ثقة وتملأ علي حياتي إلا أنني كنت أشعر بين الحين والآخر ببعض الضعف تجاه الجنس الآخر، فأتذكر قول الرسول «إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء.» عندما شعر بشيء تجاه امرأة زيد ابنه المتبنى، فأسرع بالخروج. حدث ذلك لي عدة مرات عندما بهرتني مخرجة مسرحية بشخصيتها وفنها بل وعقليتها في المسافر خانة، فكنت أذهب للعرض المسرحي كل يوم، وأنفعل كفنان بالغناء المسرحي وأنا الموسيقي القديم، ثم اكتشفت استغلالها مقدما. أتاها ضيوف أجانب فدعتني، وأخذنا العشاء على النيل، وطبعا دفعت التكاليف، كانت تستغلني، فأخبرت زوجتي التي كانت تضحي بنفسها من أجلي. ومرة أخرى دعتني جامعة الإمارات على العشاء في قبو فندق يسيل الماء من أعلاه، وكانت بجواري فلسطينية ذات رداء بلا أكمام، أرى ذراعها الأبيض وصمتها كالملاك، وفي نفس الليلة كان تلميذي قد دعاني إلى العشاء بمنزله على خروف مشوي واقف، وفاجأني بالدعوة ليلتها طبقا للتقاليد، وكان ذراع الفلسطينية الأبيض الغض يجذبني أكثر من الخروف الذي لا أراه. وهنا أدركت أهمية الإدراك الحسي كما لاحظ ميرلوبونتي في «ظاهريات الإدراك الحسي»، فغضب مني الطالب، ولم تشعر بي الفتاة الفلسطينية. ومرة ثالثة جذبتني امرأة بيضاء ضاحكة بالرغم من قصرها تعمل في الإعلام، حاولت أن أراها عدة مرات، ولكن لم يعد لدي ولا لديها وقت لذلك، فأخذ الزمان ما أحضر؛ فكلما رأيت امرأة حتى لو كانت شغالة أو امرأة بواب أكون لطيفا معها، أمازحها بلا أي هدف مما كان يغضب زوجتي أحيانا، فأقول لها هذا هو الطابع الفرنسي، اللطيف مع النساء ومغازلة المرأة من حيث هي امرأة دون أي قصد أو هدف. وعلى النقيض من ذلك كنت عندما أزور باريس أذهب إلى شارع القديس دينيس

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ٢٨