تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا كانت البداية لها نهاية فإن النهاية قد تكون بداية جديدة؛ فالإبداع الفكري بدايات لا نهايات؛ لأن الإبداع لا ينتهي؛ فبمجرد ظهور النهايات في «المثوى الأخير» انبثقت بدايات جديدة بالرغم من ضعف الجسد. ويبدو أن ضعف الجسد يوازي قوة العقل كما لاحظ ابن سينا في البراهين على خلود النفس، فالزمان لا يتوقف؛ إن بدأ فإنه لا ينتهي. والمهم أن يشعر الوجود الزماني بمساره وتجدده وبداياته الجديدة كلما قارب على الانتهاء؛ فالزمان مسار متصل والجسد هو الذي يقطعه.

فإذا استمر الزمان عندي لكان في استطاعتي كتابة «الثقافة الشعبية في الأغاني والأزجال والأمثال العامية» لأبين أنه لا فرق بين الوحي النازل من السماء والإبداع الأدبي الصاعد من الأرض. وربما كتبت أيضا «صورة المرأة في القرآن الكريم».

الأولى: المرأة المغوية «حواء»، الثانية: المرأة الغائبة «امرأة نوح»، الثالثة: المرأة الشاذة «امرأة لوط»، الرابعة: المرأة المضحية «سارة زوجة إبراهيم» ضحت لتزوجه هاجر، الخامسة: المرأة الجميلة «بلقيس ملكة اليمن»، السادسة: المرأة المفتونة «امرأة العزيز» التي افتتنت بيوسف، السابعة: المرأة الأم «أم موسى» التي وضعت ابنها في النهر، الثامنة: المرأة المستحية «الفتاة المستحية التي استسقت موسى ليسقي لها»، التاسعة: المرأة المؤمنة «مريم أم عيسى المسيح»، العاشرة: المرأة المحبة «خديجة زوجة الرسول»، الحادية عشرة: المرأة المحبوبة «عائشة بنت أبي بكر»، الثانية عشرة: المرأة الزوجة الفاتنة «زينب».

ويتضمن الجزء الثاني أحكام الزواج والطلاق، والمهر، والخصام، وتعدد الزوجات، وملك اليمين، والسبايا والجواري والإماء، والإرث، والشهادة، واللباس وغطاء الجسد.

وإن امتد الزمان كتبت عن الجدل القرآني بين المصدق واللامصدق سواء كان ذلك في الدنيا أو فيما بعدها، وهزيمة حجج اللامصدق وانتصار حجج المصدق. الأول: انتصار الإيمان على العقل. والثاني: انتصار العقل على الإيمان.

وإذا امتد الزمان أكثر لكتبت الذكريات الجزء الثالث، ويتضمن رؤية عامة

Over-all view ، لدلالة حياتي العلمية والثقافية والسياسية دون تقسيمها إلى مراحل كالجزء الأول أو إلى موضوعات كالجزء الثاني. أضع فيها خلاصة العمر والنتيجة النهائية لحياة عالم صاحب رسالة، لم يأت هذا العالم ويتركه بلا أثر، ويصبح فيه مجرد تاريخ لذكريات الآخرين والأجيال القادمة.

| الخاتمة

محاولة للدفع والنقد الذاتي

كثر النقد للجزء الأول من «ذكريات» وكل ناقد يحاول أن يعرف من المقصود بهذا أو بذاك، ويحول الذكريات من التحليل الذاتي لتجارب الحياة إلى الكشف الموضوعي في المجتمع والتاريخ. والذكريات ليس لها صلة بالجانب الموضوعي، أشخاصا أو وقائع؛ إذ إنها بين قوسين أي لا تصدر أحكام عليها، يبدو أن النقد السريع في مصر هو نقد تاريخي يطابق بين النص وما يحال إليه ظنا، ولمعرفة هل هو مدح أم ذم؟

ويتساءل أحد قراء الجزء الأول من «ذكريات» أين أنا؟ لماذا لم تذكرني؟ ويتساءل آخر لماذا ذكرتني في سطر واحد فقط دون أن تكتب عني أكثر من ذلك؟ فكل قارئ يسأل وهو لا يقرأ الذكريات إلا من خلال نفسه، أين هو؟ وما حجم الحديث عنه؟

والمدح يقبل بترحيب، والذم يرد عليه، خاصة إن كان الموضوع الذي تنبع منه الذكريات قد كون جماعة تسبح بحمده، وتتقرب إليه لتنتفع منه.

وقد تقع الذكريات في بعض الأخطاء التاريخية وهذا طبيعي؛ لأن مقياس الصدق فيها هو ذاتها وليس مطابقتها للواقع الخارجي. وهناك فرق بين الذكريات وباقي الأنواع الأدبية مثل المذكرات، واليوميات، والسير الذاتية . فالذكريات صدقها في انسيابها، وانطلاقها الطبيعي، وهي أشبه بالشريط السينمائي، أما الأنواع الأخرى فصدقها في مطابقتها للتاريخ.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٩٣