تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكنت في مرة أخرى بغرفتي في المستشفى، وكان التليفزيون لا يعمل. فسألنا: «ما السبب؟» فقالوا إن جهاز التحكم لتشغيل التليفزيون (الريموت كنترول) موجود في غرفة التمريض، ولا يعطى للمريض إلا إذا ترك بطاقته الشخصية في مقابله، فإذا أتت الممرضة ومعها الجهاز تعطيه لنا وتنتظر، وقد نسينا موضوع البطاقة الشخصية؛ تنتظر أن نعطيها ما فيه القسمة والنصيب لتسلمنا «الريموت كنترول»، ثم تخرج دون البطاقة. يكفيها ما أخذته من القسمة والنصيب.

بل إنه حتى عامل المصعد إذا دخل مريض المصعد تمنى له الشفاء، ويقول له إن المصعد عطلان، لا يتوقف عند الدور الذي طلبه المريض، ولكنه سيوقفه من أجله على وجه الخصوص؛ طمعا في القسمة والنصيب.

وقد أسفر هذا التعامل التجاري وحتى في المستشفيات الإسلامية والتي تحولت إلى مستشفيات خاصة بعد أزمة الحركات الإسلامية وتضييق الحكومة عليها؛ فكانت الممرضات وعاملات النظافة وعامل المصعد أكثر استحياء خاصة في المستشفيات الإسلامية خاصة وصوت القرآن يرتفع في المصعد عند استعماله، وكان الاستحياء ليس من الطلب المباشر بل كان عن طريق النظرات حيث يفهم المريض المطلوب.

وبعد هذه التجارب المتكررة والكثيرة أصبحت لا أحب الذهاب للمستشفى، وأفضل أن يأتيني الطبيب لفحصي بالمنزل إذا كان الأمر لا يقتضي الذهاب للمستشفى، كنت أفضل ذلك؛ لراحتي وللثمن الأقل من المكوث في المستشفى لعدة أيام والانتظار لساعات في غرف الاستقبال.

كما اتبعت الصيدليات نظام توصيل الأدوية للمنازل مثل المطاعم ومحلات البقالة؛ لراحة المريض وللعائد المادي الذي يحصل عليه عامل توصيل الطلبات، ليواجه ضرورات الحياة. كانت بعض العائلات تبخل بهذا المبلغ البسيط فأصبحت «فاتورة» التوصيل إجبارية.

أما محصل الكهرباء والغاز فيكتفي بأخذ الفاتورة ولا يطلب أكثر. ويظل السؤال: هل هو الفقر والبيئة الاجتماعية أم الجشع والأخلاق أم تحويل الشعب كله إلى شحاذين يحتاجون للمساعدة؟ ولا تخجل الحكومة أن تفعل نفس الشيء عن طريق ضريبة المبيعات وضريبة الإيجارات وضريبة عبور الطرق السريعة وكافة أنواع الضرائب التي حكمت المحكمة الدستورية ببطلانها.

الفصل الثاني عشر

| مثوى أخير أم بداية جديدة؟

كل بداية لها نهاية، وكل نهاية لها بداية، ولا تسمى النهاية الأخيرة في هذه الذكريات بالنهاية السعيدة كما بدأت بالفقر السعيد، ولكنها تنتهي بتفكير في المثوى الأخير أي في نهاية الإنسان، وقبلها في وجوده في هذا العالم، وأداء رسالته فيه. ولا تعني الأخير الآخرة، أتى وترك الدنيا إلى عالم آخر، بل تعني آلام الدنيا التي يبتعد الإنسان عنها. يعني المثوى الأخير: هل حققت رسالتي في الدنيا قبل أن أغادر إلى العالم الآخر؟ هل حققت ما تمنيته من «المنهج الإسلامي العام»؟ وهل حققت رسالة جيلي، فلكل جيل رسالة في عصره؟ وماذا بعد أداء الرسالة، هل أستمع إليها في «ذكريات» أم أصحح نفسي بنفسي؟ أم تنبت في ذهني شجرة أخرى ولو على ضفاف النهر، تحمل فاكهة جديدة لم تكن في ذهني من قبل؟ هل أترك هذا العالم إلى عالم آخر ابتداء من حياة القبر، نعيما أو عذابا حتى البعث الجديد، حتى يوم الحساب؟

وإذا حاسبت نفسي ابتداء من حياة القبر وشريط الذكريات حتى الحياة الأخرى التي يتم فيها الحساب فأنجح أم أرسب؟ أثاب أم أعاقب؟

المثوى الأخير ويقظة الضمير تحت الأرض استعدادا ليوم حساب خارج الأرض، فالغيبيات التي بعدت عنها في الدنيا، وتفضيل المشاهدات عليها ها هي تحضر أمامي بكل ثقة ليسمع الناس جوابي في الآخرة كما سمعت في الدنيا. فالبعث بعد الموت حياة الضمير وشريط الذكريات حتى يعرف الإنسان ماذا فعل، ويتذكر ما نسيه بفعل الزمن، وانتظر ساعة الحساب مع غيره.

المثوى الأخير افتراض أتحقق منه وأجيب عنه، هناك تدوين للأفعال، يسارا ويمينا، فأصعد إلى أعلى فأجد حسابي على مائدة القضاة، الذي قد يطابق أو لا يطابق شريط الذكريات.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٩٠