تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان يحب أسرته، ولا يحب البقاء خارج المنزل، وكانت قوانين الجيش تحتم عليه أن يبقى «نبطشية» مع فرقة الموسيقى في المعسكر مرة كل شهر حتى الصباح، فكان يأتينا في المساء ويخرج في الصباح الباكر بعد الفجر ويصل المعسكر مبكرا وكأنه قضى الليلة فيه.

ومرة أراد أن يستقل أول مترو عند بداية العمل، حتى يصل مبكرا وقبل أن يستيقظ زملاؤه. كان الترام قد بدأ في التحرك، فجرى والدي خلفه، وسقط على الأرض قبل أن يدركه، وسند على أصابع يده عند سقوطه فانكسرت لثقل جسمه عليها، فلفها بمنديله، وأسرع إلى العمل في المعسكر. وقال لزملائه الموسيقيين بأنه وقع في الحمام، فأرسلوه إلى المستشفى العسكري حيث قاموا بخياطة الجروح، ولكن أصابعه ظلت ملتوية مدة طويلة. ومن حسن الحظ أن ذلك لم يمنعه من العزف على «الترمبون» الذي كان بحاجة إلى اليد والأصابع وليس الأصابع وحدها كالكمان.

وكان والدي غيورا جدا على والدتي لشدة حبه لها، فلا يتحمل زائرا رجلا يتباسط مع أمي في الحديث، فيخلق والدي سببا لتعكير الجو حتى يخرج الضيف، ويترك والدتي في سلام، رأيت ذلك لأول مرة عندما زارنا عم إسماعيل والد «علي» الموسيقي و«جمال» الممثل. وكان يأتي أنيقا، وكان شعره مصففا بقدر كبير من الكريمات والذي كان يلمع في الضوء، يتكلم وهو يضحك، وكان قريبا لوالدتي؛ فتدخل الوالد لتعكير الجو، فقال له عم إسماعيل: «صل على النبي يا عم حنفي» حتى يهدئ من روعه، ويخبره أنه لا نية عنده في مغازلة والدتي وقد تجاوز الستين ووالدتي الخمسين، وكانت ترن في أذني أغنية الفتيات صاحبات ليلى مراد في فيلم «غزل البنات»: «أبجد هوز حطي كلمن. شكل الأستاذ بقى منسجمن». وفي كل مرة يزورنا حمو شقيقتي يتكرر نفس الشيء؛ فقد كان متكلما ثرثارا ضاحكا، ولا يترك لغيره فرصة للكلام. وبالرغم من أنه كان قصيرا بين السمار والسواد، عجوزا، وأسنانه بين كل سن وسن فجوة، ودون أن يكون فيه أي نوع من أنواع جمال الرجال، كان والدي يغار منه لقدرته على الكلام بينما والدي أقرب إلى الصمت. فكان والدي يتهرب دائما من زيارة عم إسماعيل لنا دفاعا عن أمي وغيرة منه.

ولما مرضت والدتي ولم يكن عندنا من يمرضها، أحضرنا سيدتين تتناوبان العمل، اثنتي عشرة ساعة في اليوم، تذهب إحداهما فتأتي الأخرى، كانتا تساعدانها في تنظيف ظهرها بالقطن والشاش من جروح قرح الفراش، وكنت أزورها مرة كل أسبوع، وأنا عائد من الجامعة. وفي يوم الزيارة عدت من الجامعة وكنت متعبا لأنني كنت في واجب عزاء فقررت أن أزورها في اليوم التالي. وعرفت أنها قد توفيت؛ فحزنت، وندمت على أنني لم أزرها في الموعد المحدد حتى لو كنت متعبا، وحضرت عزاءها، وكان صوان العزاء بميدان الحسينية، وكان كبيرا.

وكان أبي قبل أن يتوفى قد ساعدناه في شراء مقبرة للأسرة بمنطقة البساتين بجوار عين الصيرة، وكتبنا عليها لافتة باسمه. وكان هو أول من دفن فيها، وكانت خالتي هي الثانية، وأمي هي الثالثة؛ لأن مقابر أسرة أمي في بني سويف في الضفة الأخرى لنهر النيل، وحماتي فيما بعد. وظلت تلك مقابر الأسرة حتى الآن، بها أخي وشقيقاتي، وأزواجهن.

ويعيش الإنسان مع دائرة الأسرة الأولى؛ الزوجة والأبناء، ذكورا وإناثا. فأول عاطفة تركتها الزوجة الحبيبة في شعوري هي الوفاء، حاضرا أم غائبا، مستريحا أم غاضبا، عاشقا أم معشوقا، صحيحا أم سقيما، حرا أم سجينا، سعيدا أم شقيا.

فالوفاء عاطفة نبيلة لا تتغير، تعيش في الذكريات، ويسعد الإنسان برؤية شروطها، فلا خوف مما يسمى الخيانة للزوجة أو تعدد الزوجات أو الطلاق أو الهجر.

تدمع العيون في حالة التأثر إذا ما شعر صوابا أم خطأ أن الوفاء لا يقابله وفاء آخر؛ فالوفاء علاقة متبادلة بين زوجين، خاصة إذا كانا حبيبين، وبوجه أخص إذا كانا عاشقين. أمد لها العون فيما تحتاج، وتمد لي العون فيما أحتاج، تغنيني عن العالم، وأغنيها عن العالم، كما هو الحال في شعر نزار قباني في قصيدة قارئة الفنجان: «قد تغدو امرأة يا ولدي يهواها القلب هي الدنيا». وبعد أن اكتشفت زوجتي الحبيبة موهبتها في النقد السينمائي انضمت إلى معهد السينما بأكاديمية الفنون للدراسة به حتى حصلت على البكالوريوس في السينما، وكونت مكتبة سينمائية كاملة عن تاريخ السينما المصرية والعربية، وحضرت معظم مهرجانات السينما في مصر والوطن العربي، وأسست مركزا لتاريخ السينما يقع في الطابق الثاني من منزلنا الجديد. ونشطت في عقد ندوات شهرية عن نقاد السينما المصريين قبل أن يرحلوا، وكانت الندوات مسجلة. ونشرت عدة مجلدات عن تاريخ السينما المصرية مثل أعمال حسن جمعة. وهي بصدد جمع مقالاتها في النقد السينمائي والتي تصدر عن قريب، ولولا اعتلال صحتها لكان نشاطها أوسع، ومع ذلك أصبح مركزها السينمائي مكانا للباحثين في تاريخ السينما المصرية يقدم خدماته مجانا وحبا في العلم ونشر الثقافة السينمائية.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٧٥