تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجدنا أمين الصندوق السابق يجلس على مائدة الشرف مع مدير المركز والأعضاء وبعض المثقفين العرب على مائدة واحدة، ويستمع إلى كلام الآخرين، وينظر لمدير المركز ويبتسم وكأنه يقول: «أنا هنا، خذ بالك مني.» وكنت أجلس بالمائدة المجاورة، بعد أن دعاني رئيس المركز إلى الجلوس معه في مائدة الشرف، فرفضت لأنه من الأفضل أن أتعرف وأجلس بجوار المثقفين العرب الذين أراهم لأول مرة. كنت أريد أن أستمع لما عندهم، ويستمعون لما عندي. فعرفت أن هدف صديقنا المصري هو الرقي الاجتماعي والعلمي بالمنتديات الثقافية ليظهر أنه مثقف، ومؤلف، وليس فقط كمهندس معماري.

وبعد أن ضعف بصري وأنا في منتصف إنجاز كتابي الأخير «الفكر الوطني في العالم الثالث»، وعدم تمكني من القراءة، تعرفت على صديقة لابنتي، تسكن في منزل ابنتي التي سافرت لألمانيا لدراسة الدكتوراه. رأيتها لأول مرة وسمعت صوتها واتصلت بها فلم تستجب لندائي. وبعد مدة شاءت الظروف أن أراها ثانية، فعرضت عليها أن تساعدني في القراءة والكتابة لضعف نظري، وهي تسكن في نفس المنزل في الطابق الأول؛ فلن تضيع وقتا في المواصلات العامة. فرحبت. وبعد شهر تقريبا من العمل معي يبدو أنني رفعت صوتي عليها بغضب شديد، فقيل لي إنها غادرت دامعة العينين. اتصلت بها في اليوم التالي أعتذر لها عما بدر مني، ومع ذلك أخبرت زوجتي الحبيبة أنها لن تأتي مرة ثانية. طلبت من إدارة الجمعية الفلسفية أن تنشر إعلانا بحاجتي إلى مساعد أو مساعدة نظرا لضعف بصري؛ أتى أربعة، ثلاثة يؤدون العمل بلا أجر؛ لأنهم يكفيهم أنهم بجواري. وكان الوقت المتاح لديهم قليلا. وفضل موظف الجمعية الرابع خريج الأزهر أن يعمل عندي فترة من الصباح، وحتى الثانية ظهرا. اتفقنا أن يحضر. كان شاعرا أسمعني شعره، ثم اتصل في اليوم التالي بسكرتيرة الجمعية وأخبرها أنه موافق على المرتب وساعات العمل. وطلب أن تكون الإجازة الأسبوعية يومين، وهذا لا يناسبني، فماذا أفعل في اليومين؟ أحسست أنه تاجر لا يفكر كيف يكون العمل عند باحث ومفكر وفيلسوف وأستاذ، ولكنه يحسب كل شيء بحساب المكسب والخسارة.

وفي نفس الوقت اتصل مساعدي والمرافق لي بالجارة في محاولة لاسترجاعها، فوعدتني أنها ستأتي. انتظرت حتى فات وقت الصباح ولم تأت؛ فحزنت، حتى رآني ممرضي ومرافقي، طلب أن يترك له هذا الأمر. صعد إليها ليتحدث معها، وطلب منها كوبا من الشاي، وتحدثا؛ فأصبحت أكثر لينا، وعادت إلى العمل من جديد. وهي خريجة قسم علم النفس بآداب القاهرة، مثقفة، ضاحكة، وملتزمة بمواعيد العمل التزاما دقيقا. وفي أقل وقت كنا ننتج معا أكبر قدر من القراءة والكتابة. لديها هاتفها النقال الخاص وبه «الإنترنت» فإذا احتجنا إلى معلومة أو تاريخ أو قصيدة أو موضوع بحثنا عنه. ووفرت لي عناء البحث بين رفوف المكتبة، والبحث عما أريد. أرجو أن تكون الخاتمة، هي بالكتابة بخط اليد والمساعدين بالطباعة على الحاسب الآلي، حتى أنهي العمل على مؤلفاتي التي أقدمها للناس، إحساسا بالواجب، ومسئولية جيلي عما حدث للبلاد من انكماش وتقهقر.

وأول ناشر عرفته كان دار الكتب الجامعية بالإسكندرية التي نشرت لي «نماذج من الفلسفة المسيحية ». وكان قد قدمني لها على سامي النشار الأستاذ بقسم الفلسفة بآداب الإسكندرية بعد عودتي من فرنسا بعام واحد، وقبل أن أستلم عملي في قسم الفلسفة بآداب القاهرة، وطمعا في قبول التعيين بآداب الإسكندرية وأن أكون زميلا له، هو في تدريس الفلسفة الإسلامية، وأنا في تدريس الفلسفة المسيحية.

وكان عبد الرحمن بدوي قد فعل نفس الشيء وأعلن أن القسم بحاجة إلى مدرس في قسم الفلسفة بآداب عين شمس. فتقدم إليها اثنان، أنا وعزمي إسلام، ففضلني. وفي اليوم الأول شعرت أنني غريب في هذه الدار. فليس لي ذكريات فيها؛ فذهبت إلى بدوي قائلا: «إن الحوائط هنا لا تكلمني.» فاستعجب، وقال «وهل الحوائط تتكلم؟» قلت له: «نعم، لا أشعر بتعاطف مع المكان.» فاتهمني بأنني صبي صغير «عيل». وأخذ عزمي إسلام المتقدم الثاني للوظيفة. فضلت بعدها الانتظار عاما لأعين مدرسا في قسم الفلسفة بآداب القاهرة حيث نشأت وتعلمت واضطهدت وحوكمت. فأعطاني ناشر الإسكندرية مائة جنيه دون أن أطلب ودون أن أذهب إليه مقابل نشر كتابي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٦٧