تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفى الولايات المتحدة الأمريكية وأنا أستاذ زائر بجامعة تمبل في مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا، وبعد أن أرسلنا طفلنا الأول إلى مصر خوفا عليه من الرحلات الطويلة المتكررة، كان هناك دفتر للسفر في حافلة جرايهاوند، كان بها عشر ورقات وثمنها تسعة وتسعون دولارا، نستخدمها في أي وقت وأي مكان في ربوع القارة الأمريكية، وكان هناك نظام في مركز الخدمات الطلابية بالجامعة بأن نبلغه بخط السير، ويعرفنا بدوره على عائلات أمريكية نقضي عندهم الليلة، نتعرف عليهم، ويتعرفون علينا، تحقيقا لمبدأ التضامن بين الشعوب. أعطينا أنا وزوجتي لمركز الخدمات خطة السير والسفر من الشرق إلى الغرب، وأسماء المدن التي سنتوقف فيها، وأعطونا دفترا به عناوين وأسماء العائلات التي سنقيم معها، وبالفعل كنا ننزل من الحافلة في المدينة المعلومة، فنجد العائلة الأمريكية في انتظارنا ومعهم أولادهم، يرحبون بنا، ويلعب أطفالهم معنا. ويصطحبوننا إلى منزلهم للعشاء والإقامة ليلة واحدة أو أكثر إذا رغبنا، وفي صباح اليوم التالي نزور المدينة بالسيارة وهم معنا، ثم نصل إلى الحافلة، نستقلها إلى المدينة التالية، فنجد أسرة أمريكية أخرى في انتظارنا. ويتكرر الموقف حتى وصلنا إلى لوس أنجلوس في كاليفورنيا، وكانت بعض الهدايا التي أحضرناها من مصر مثل التماثيل الفرعونية الصغيرة لرمسيس أو أخناتون أو أبي الهول والأهرامات، أو كتابا عن مصر الفرعونية، كنا نترك عادة ذكرى واحدة منها عند الأسرة التي نقيم معها؛ فكانوا يزدادون إعجابا بنا.

ذهبنا من لوس أنجلوس لسان فرانسيسكو، وعدنا إلى فيلادلفيا من طريق آخر غير الطريق الأول، وقد استغرقت الرحلة شهرا، وكنا قد استهلكنا خلاله جميع دفاتر السفر بالحافلة.

وفي الصيف الذي يليه سافرنا بنفس النظام من الشرق إلى الجنوب، من بنسلفانيا إلى فلوريدا مارين بأهم المدن، وصلنا إلى المكسيك، ورأينا المدينة المشهورة، وعدنا إلى فيلادلفيا من طريق آخر، واستغرقت الرحلة شهرا كاملا ذهابا وإيابا.

وفي الصيف الذي يليه قمنا بالسفر من الشرق إلى أقصى الشمال الغربي، من فيلادلفيا إلى سياتل، وعدنا من طريق كندا لنرى شلالات نياجرا في تورينتو، وتعلمنا كثيرا خلال هذه الرحلات، وتعرفنا على كثير من العائلات الأمريكية، ولمسنا عن قرب تلك الشخصيات وكرمها ومحبتها للطبيعة، وكان ذلك بالنسبة لنا غير فكرتنا عن السياسة الأمريكية المحتلة العنصرية، ورأينا الفرق بين الأمريكي البسيط الكريم الضاحك وبين أمريكا الكريهة الاستعمارية العدوانية.

ومنذ ذلك الوقت قررت أن أكتب كتاب «أمريكا، الأسطورة والحقيقة»، وهو ما تم بالفعل وصدر عام 2020م. وكنت من قبل وأنا في جامعة تمبل اشتريت معظم الكتب عن أمريكا الموجودة بقسم المكتبة، والذي كان باسم دراسات أمريكية. وعن طريق موسوعة الكتب المطبوعة في باب الدراسات الأمريكية، والتي كنت أطلبها من المكتبة على أنها كتب دراسية حتى أحصل على تخفيض يعادل عشرين بالمائة من ثمن الكتاب، وكذلك اشتريت كتبي عن العالم الثالث: أفريقيا وآسيا، أمريكا اللاتينية استعدادا لإصدار كتاب بنفس الاسم عن الفكر الوطني في هذه القارات الثلاث وهو ما حدث بالفعل، وصدر في 2021م.

وفى المغرب كان معي أولادي الثلاثة، تجولنا في ربوعها إلى الشمال حتى طنجة، وإلى الجنوب حتى العيون، وشاهدنا جمال الطبيعة في المغرب، وطيبة شعبها وحبه للمصريين، ونحن في الطريق إلى الجنوب وقع علينا حجر كبير من أعلى جبل، كان بعمل جندي مغربي، وقع الحجر تحت السيارة؛ فأبطلها. أتت حافلة لجر السيارة إلى الورشة لإصلاحها، خاف الجندي وأخذنا إلى منزله لتناول الغداء، وأصر قائد الفرقة أن يتم إصلاح السيارة على نفقة الجيش المغربي، بالرغم من التأمين عليها، كانت سيارتي جديدة ماركة «سيات» وهي النسخة الإسبانية من «فيات» الإيطالية.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٥٥