تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكنت أذهب لزيارتها يوميا بعدما أنتهي من الكتابة عند التاسعة مساء، فأصل إليها التاسعة والنصف، فكانت والدتي تحتج أيضا ضاحكة: «يا أبو علي حد يزور خطيبته بعد التاسعة والنصف مساء؟» فأقول لها: «يا نينة، أنا عندي شغل لحد تسعة مساء ولا أستطيع التفريط في ذلك.» وهو ما كنت أقوله لخطيبتي عند بداية التعرف عليها بأنها ستكون زوجتي الثانية، والعلم زوجتي الأولى. ومن على ناصية الطريق الذي تمر به الحافلة من العباسية إلى ميدان الحجاز حيث تسكن خطيبتي، كنت أشتري قطعا من الجبن الرومي وأقفز إلى الحافلة، وكانت شبه فارغة، وكان شارع الحجاز شبه فارغ أيضا حيث تسكن خطيبتي في آخره بالقرب من ميدان الحجاز، فكنت أخجل وأنا أطرق الباب وأوقظ النائمين، والدتها وأختها وأولادها، فتفتح لي وتدخلني وهي بنصف ابتسامة، ولا أدري مبتسمة لأنني أتيت، ونصف مبتسمة لأنني تأخرت؟ فماذا سيقول الناس عنها إذا هم رأوني أجلس معها وهي تتناول طعام العشاء وتستخرج لباب الخبز الرقيق أصلا من الرغيف الشامي وأنا أتأمل هذا الوجه الجميل. وأسرع بالخروج لألحق بآخر مترو من ميدان الحجاز إلى العباسية حيث كنت أقطن قريبا منه، وكنت أجد أهلي نياما وأنا أستلقي وأنام بمجرد الدخول للمنزل ولكي أستيقظ مبكرا إما للكتابة أو الذهاب إلى الجامعة في اليوم التالي.

وقبل الزواج وإعداد المسكن، أوصاني بعض الأصدقاء بالذهاب إلى حارة لا أذكر اسمها وربما تكون «الصنادقية» المتفرعة من حي الأزهر وشوارعه التي تشتهر بصناعة الأثاث من خشب «الأرابيسك». فذهبت إلى هناك ورأيت بالفعل محلات الأثاث ومجموعة من الدواليب والكراسي والشبابيك من الأرابيسك دون أن أجد مكتبا واحدا بهذا الأسلوب العربي. ورأيت محلا يجلس على بابه صاحبه فسألني وهو ينظر إلي: «هل تبحث عن شيء معين؟» قلت: «أريد مكتبا وكرسيا من الأرابيسك.» فقال: «أصنعه لك ويكون جاهزا في ظرف شهر، وتكون تكلفته ألفي جنيه، تدفع النصف عربونا، والباقي عند التسليم.» فرحبت بالعرض وأعطيته ما اتفقنا عليه. ثم مر شهر ولم يتصل بي صاحب المحل، فذهبت إليه متسائلا عن المكتب. فأجاب: «في التشطيب يا أستاذ ينقصه فقط الأدراج والمقابض والأقفال، فهي غالية الثمن، وصرفت العربون كله في الخشب والعمل عليه.» وكان من أفضل أنواع الخشب «الماهوجني». وطلب أن أدفع باقي المبلغ حتى يشتري باقي التجهيزات، فأعطيته الألف الثانية وطلب شهرا آخرا. وبعد أن مر الشهر الثاني ذهبت إليه فلم أجد شيئا. فسألته من جديد: «أين المكتب؟» فقال: «في التشطيب يا أستاذ، نحن نشتري مستلزماته الآن.» ففرحت. وبعد مرور أسبوعين آخرين ذهبت إليه فقال: «ما زال.» فعرفت أنه نصاب أخذ ثمن المكتب ولم يسلم العمل. فذهبت إلى قسم شرطة الأزبكية وقصصت على الضابط ما حدث. فاستعجب وقال: «لا تخف سآتي معك لهذا الرجل النصاب.» ففرحت لأن شعار «الشرطة في خدمة الشعب» يتحقق أمامي بالفعل، ودخلنا الحارة. فقام جميع أصحاب المحلات من النجارين يحيونه قائلين: «اتفضل يا بيه، اتفضل يا باشا.» وهو يبادل التحية بأحسن منها، وبعد أن طفنا بالحارة ووصلنا عند النجار النصاب وعد بتسليم المكتب في ظرف أسبوع. فشكرته، ولم يأت هذا الأسبوع إلى الآن، فتركت الأمر وليس عندي وقت للذهاب للمرة الرابعة للسؤال عن المكتب، وقلت لنفسي إنه سيلقى عقابه في الدنيا قبل أي مكان آخر.

ونصحني بعد ذلك صديق بالذهاب إلى دمياط والتي تشتهر بصناعة الأثاث وفيها أكبر المصانع والمحلات، فذهبت بصحبة أستاذ من جامعة المنصورة، فدهشت لهذا الإتقان في الصناعات الخشبية، وتعرفت على شاب. وعرف مني ماذا أريد، ووعدني بإنجاز العمل، المكتب وأربعة وعشرين كرسيا ومنضدة اجتماعات من الأرابيسك، وهو لا يريد عربونا أو مقدما وأن كل ذلك سيكون جاهزا في ظرف شهر، وبالفعل ذهبت إليه مع الصديق من جامعة المنصورة ووجدت ما أطلب جاهزا على أكمل وجه ودون أن أدفع قرشا واحدا كعربون. ففرحت هذه المرة وأحضر لي عربة لنقل الأثاث إلى القاهرة، وأتى معي لتركيب طاولة الاجتماعات والتي بلغ طولها ما يقرب من الخمسة أمتار وعرضها مترين، والكراسي الأربعة والعشرين، ومكتبي في الغرفة المجاورة. وضعتهم في بدروم المنزل الذي بنيته وكان كل مساحة البدروم مخصصة للمكتب والمكتبة والكتب. ودفعت للرجل الثمن دون مناقشته في التكلفة والأسعار، يكفي حسن أخلاقه والتزامه وجودة ما صنع.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٢٢