تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكنا نلعب في الحارة السباق جريا بالعرض من شرطي «امسك حرامي»، وهي مسافة لا تتجاوز خمسة أمتار، وكانت بالنسبة لنا كافية للسباق. وفي لعبة أخرى نقذف بصفيحة إلى أعلى ونتلقفها باليدين، ومن ينجح في ذلك يكون أبوه ملكا. فعلت ولم يصبح أبويا ملكا، بل دخلت أنا المستشفى لإجراء جراحة عاجلة في الرقبة ما زال أثرها حتى الآن، في شارع عبد العزيز تحت إدارة وزارة المعارف العمومية وهو الاسم القديم لوزارة التربية والتعليم. أما كرة القدم «الكرة الشراب» فكنت أكرهها ولا أحب لعبها لأنني لم أعلم أين الفن فيها، وأحيانا يكون الدفع فيها هو الأساس، وأين الحارة التي تغلق نفسها للاعبين؟ ومهما كبرت الكرة الشراب فلن تتجاوز قبضة اليد، وليس لدينا مال لشراء كرة النفخ، وكانت الخسائر فيها كثيرة؛ الوقوع على الأرض وجروح الركبتين، وولولة الأم، وقسمها أني لن أنزل لألعب في الحارة من جديد، ولكننا كنا نجعلها تحنث بالقسم. ولعبة أخرى هي نط الحبل، ولكنها كانت للبنات أكثر مما هي للصبية. ولعبة «السيكة» التي كانت ترسم على الأرض بالطباشير الأبيض عدة مسافات، ووضع قطعة من الطوب في كل مسافة، ثم القفز عليها من أجل زحزحة الطوب من خانة إلى أخرى، وتسمى أيضا «النطة». ولم تكن الرياضة أمنية الأطفال في ذلك الوقت.

ثم وقعت كنبة على ساقي فانكسر، وتم تجبيره عند برسوم، طبيب الشعب، في ميدان رمسيس. وكانت والدتي تحملني على كتفيها كالحصان من باب الشعرية إلى ميدان رمسيس لتشتري السمك الطازج من رجل مشهور هناك، في الخلفاوي أو الحلفاوي، كان يقعد «بالمشنة» على الرصيف، وتعود والدتي إلى المنزل، وكنت أستغرب كيف حملت هذا الحمل الثقيل ذهابا وإيابا، وتحمل السمك؟ ولما كبرت عرفت أن ذلك هو إخلاص المرأة المصرية لبيتها.

وكان والدي يرسلني إلى محل الطرشي بدرب البزازرة أمام جامع البنهاوي لشراء طرشي، وأوصي البائع بمزيد من ماء اللفت، فكنت أذهب بطبق مفتوح وأعود وقد انسكبت منه معظم مياه اللفت على الأرض. وفي المرة الثانية أردت أن أعرف طعم ماء اللفت هذا الذي يصر عليه والدي، فقمت بتذوقه بدلا من انسكابه على الأرض بفعل المشي، فوجدت طعمه لذيذا، وذهبت إلى الوالد وماء اللفت ناقص أيضا. ثم أرسلني الوالد إلى بائع الطرشي لأقول له إني أتيت من طرف عم حنفي، فزاده إلى الثمالة. ولم نكن نعرف في ذلك الوقت أن طبق الشراب في حاجة إلى غطاء لكي يحفظه داخل الإناء.

وأرسلني والدي إلى الكتاب في سن الرابعة لأن الحكومة لا تقبل في المدارس الأولية قبل الخامسة، وكان الكتاب يسمى باسم مدرسة «الشيخ سيد»، ويقع في آخر درب الشرفا، عطفة العبساوي. صالة في الدور الأرضي مفروشة بالحصير، تستخدم للصلاة أيضا. وكانت التكاليف رغيف خبز وطبق مخلل بشرابه أو طبق سلطة. وكان التدريس بطبيعة الحال تحفيظ القرآن، وتعليم بعض قواعد اللغة العربية، وعلامات الإعراب. وكان الجلوس على الأرض تربيعا وحافين. والأطفال بالجلابيب مثل الشيخ بالجبة والقفطان والعمة. وكان صوت الأطفال جماعيا مرتفعا حتى يسمع الحاضر الغائب. وبمجرد أن ينتهي الدرس يهرع الأطفال بالخروج إما للعب أو إلى أهله. وكانت عيون الشيخ تروغ يمينا ويسارا إذا ما أحضرت الأم طفلها بنفسها، وسلمته للشيخ كأمانة فتقترب من الشيخ أكثر فأكثر، ولا ينسى الشيخ أن يبلغ السلام لأم الطفل مع ابنها في نهاية الأسبوع أو بدونها. لم أستسغ هذه الطريقة، ولم أستطع أن أكمل الكتاب، ولا طريقة الشيخ في تحفيظ القرآن، ولا العصا (الخرزانة) التي في يده، ولا صمت الأطفال إلا من صوت ترديد آيات القرآن وراءه، ولا هذه العلاقة بين السيد والعبد؛ علاقة العصا. فقدت اللعب، ولم أجد شيئا أفضل منه؛ حارة مسدودة، وعقل شارد، ولكن القلب ما زال ينبض.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١٢