تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فسيمفونيات بيتهوفن مؤلفات فلسفية، وبالمثل يقال على فلسفة هيجل التي كانت أشبه بسيمفونيات بيتهوفن وقد كانا متعاصرين. فكتاب «ظاهريات الروح» سيمفونية الوعي الإنساني الذي يتطور من الحس إلى العقل إلى القلب إلى الروح المطلق.

وأظن أنني قد أحسنت الاختيار؛ فمشروع «التراث والتجديد» الفلسفي يملأ الآفاق في مصر، والوطن العربي، والعالم الإسلامي، بل وفي الغرب والشرق على السواء. تمت ترجمة أجزاء منه إلى كثير من اللغات خاصة التركية، والفارسية، والماليزية، والإندونيسية. وكتبت الدراسات عنه، وألفت الكتب حوله، واختير موضوعا لكثير من الرسائل الجامعية، وأشعر بالراحة النفسية عندما أسمع عنه وهو موضوع للمناقشة بين العلماء خاصة. وقد كتبته على ثلاثة مستويات؛ المستوى العلمي للمتخصصين، والمستوى الثقافي للمثقفين، والمستوى السياسي للجماهير.

وقد يكون أثره الآن محدودا، ولكن سيكون له أبلغ الأثر في المستقبل وعلى مجرى التاريخ، فإذا كان تاريخ الحضارة الإسلامية في مرحلتها الأولى يؤرخ بمقدمة ابن خلدون وهو يصف نشأة الحضارة الإسلامية وتطورها وانهيارها. فإن تاريخ الحضارة الإسلامية في مرحلتها الثانية يؤرخ بمشروع «التراث والتجديد»، بداية بعصر النهضة والإصلاح الديني، ثم بالثورات العسكرية، ثم بالثورات الشعبية. ومن يدري متى تكون ثورة المجتمع المدني؟

وكتاب «علم المنطق» لهيجل وتقسيماته الثلاثية تعبير عن الجدل مثل: «الوجود والماهية والصيرورة» أشبه بسيمفونية الصراع بين الخير والشر وتحولهما للمحبة والديمومة، وهكذا فعل في باقي مؤلفاته.

وكما جعل بيتهوفن الشعر موسيقى الكلمة، فقد كان صديقا لجوته، كذلك جعل هيجل الموسيقى أرفع أنواع الشعر، وجعل الأوبرا أرفع أنواع الفنون كلها بعد أن جعل الفنون السمعية أرقى من الفنون البصرية.

كنت عندما أسمع «نشيد الفرح» في آخر السيمفونية التاسعة لبيتهوفن وتكاد تصل متعتي للسماء. لم أكن أعرف أن هذا السمو والاستمتاع والرقي بسبب الموسيقى، أم الشعر أم الفلسفة؟ فلقد عزفت الفنون الثلاثة الفرح. وهو موضوع يجمع بين الموسيقى والشعر في الفلسفة. وكذلك فعل فاجنر في أوبريتاته التي تجمع بين الموسيقى والشعر والفلسفة في «تريستان وإيزولدا». وكما فعل فيردي في «أوبرا عايدة» في مارش «البطولة». وراداميس عائدا منتصرا.

أما الموسيقى الكلاسيكية عند باخ فتشبه فلسفة توما الأكويني في «الخلاصة اللاهوتية». وكما فعل بيزيه في أوبرا «كارمن» عن الحب والتضحية؛ فالموسيقى شعر، والشعر موسيقى. ومعجزة القرآن الكريم في الجمع بين الموسيقى والشعر والفلسفة.

وعندما استعملت الأوتار كآلات إيقاعية ولم تعد تغنى الألحان المتصلة مثل «تقديس الربيع» لسترافنسكي تقطعت الفلسفة في «التفكيكية» في الفلسفة المعاصرة، ولم تعد الفلسفة لحنا غنائيا طويلا كما هو عند ديكارت في منهجه، وشيلينج في الوحدة بين الروح والطبيعة، وفشته في خطابه إلى الأمة الألمانية.

فيمكن قراءة الموسيقى كفلسفة مثل: موسيقى باخ كفلسفة مدرسية، وموسيقى بيتهوفن كالفلسفة الرومانسية، وبوليرو رافيل كفلسفة ما بعد الحداثة التي تفكك كل شيء.

الفصل الثالث

| الحب العذري

وصلت إلى مرحلة البلوغ وأنا في المدرسة الثانوية، لا أذكر في الصف الثاني أم الثالث. وعندما وصلت إلى السنة الخامسة «التوجيهية» جلست في المنزل؛ لأستعد لامتحان الثانوية العامة بعد أن بدأ الحضور يتناقص داخل حجرات الدراسة والفصول لنفس السبب، ولكي أستعد أيضا لامتحان المسابقة في الفلسفة والذي كان يقام كل عام. وكانت مكافأته بالإضافة إلى العشرين جنيها، الدخول للجامعة مجانا، فقد كانت مجانية طه حسين في التعليم العام، ثم عممتها الثورة في 1952م إلى التعليم الجامعي؛ فدخلت الجامعة مجانا لثلاثة أسباب: الأول؛ حصولي على الثانوية العامة بدرجة 77,5٪. والثاني؛ حصولي على المرتبة الأولى في امتحان المسابقة العامة في الفلسفة. والثالث؛ قرار مجانية التعليم العالي بعد الثورة.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨م · الصفحة ١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ذكريات: ١٩٣٥–٢٠١٨مص ١١٠