تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما كان المجتمع يتقدم بصرف النظر عن أساليب الضبط الاجتماعي، تنقسم الحياة إلى ظاهر يتبع التقاليد والأعراف والعادات، وباطن يتبع تطور الحياة وتغير قواعد السلوك الاجتماعي، فتنشأ مظاهر النفاق والرياء والتظاهر والكذب. قول باللسان لا يقتنع به القلب، وسلوك في الظاهر لا ينم عن إيمان بالباطن. وتصبح الحياة كلها حجابا في الظاهر، وسفورا في الباطن. كما تنشأ ظواهر الكبت وأمراض القهر النفسي وقمع الرغبات، ويعيش الإنسان بشخصيتين، ويقابل المجتمع بوجهين؛ وجه يرضاه المجتمع، ووجه آخر يرضاه الفرد، لا يجرؤ على التعبير عنه صراحة. ويكون له سلوكان:

سلوك اجتماعي علني، وسلوك آخر فردي سري. الأول كاذب، والثاني صادق. فإذا ما تجرأ أحد على الإعلان والتمسك بالوجه الواحد والسلوك الواحد والشخصية الواحدة تم إقصاؤه واستبعاده واتهامه بالردة والكفر، وكان جزاؤه القتل الصريح. ويؤثر البعض السلامة والرضا بالسلوك الاجتماعي، وينغمس في الدنيا ينهل منها بالحلال، والأرزاق مقدرة مسبقا.

ومع ذلك ظهرت نماذج ثائرة على هذا القهر الاجتماعي في التاريخ، في كل عصر، وفي كل ثقافة، ولدى كل شعب. ثار سقراط على تعدد الآلهة عند الأثينيين، فاتهم بإفساد الشباب، وحكم عليه بالموت سما، ورفض الهرب درءا للظلم، وهو رذيلة، طاعة لقوانين البلاد، وهي فضيلة. وثار ديكارت على عادات العصر الوسيط في التفكير والتعلم. وثار اسبينوزا على العقائد اليهودية، مثل شعب الله المختار وأرض المعاد. وحرق جيوردانو برونو حيا في روما لأنه قال بعقيدة مخالفة للفلك السائد ولتصور الإنسان. وثار مارتن لوثر على الكنيسة رافضا توسطها بين الإنسان والله، واحتكارها لتفسير الكتاب المقدس، وتبعيتها لسلطة الآباء الأولين. قدم المفكرون الأحرار الذين رفضوا عادات وتقاليد وأعراف القدماء أمام محاكم التفتيش في أواخر العصر الوسيط الأوروبي، وكان جزاؤهم القتل أو الحرق أو التعذيب أو النفي أو السجن.

وفي تاريخنا القديم حدث نفس الشيء؛ فقد ذبح الجعد بن درهم يوم عيد الأضحى أسفل المنبر لأنه كان معارضا للحكم الأموي، ويقول بقدرة الإنسان على الاختيار. وقتل أبو نواس بتهمة الزندقة. وصلب الحلاج بتهمة الخروج على العقائد. وذبح السهروردي لقوله بحكمة الإشراق.

كانت كل حركات التجديد والتحديث والنهضة والإصلاح والتغير الاجتماعي والنهضة الحضارية والثورة ضد القهر الاجتماعي بالرغم من سطوته، وكان الاستسلام للقهر الاجتماعي أحد أسباب الركون والخمول والتأخر والانحطاط. لا تقوم نهضة على قهر، ولا تقدم على تقليد، ولا ثورة على تسليم. في لحظات الانتصار يتم تغيير التقاليد، وفي لحظات الانكسار تتم المحافظة عليها حماية للمجتمعات. وهي حماية وقتية بالانكفاء على الداخل لحماية النفس بعد أن ضاع العالم. ولما كان المجتمع العربي يمر الآن بمرحلة انكسار، باستثناء المقاومة في العراق وفلسطين، اشتد القهر الاجتماعي. ولما كان أيضا يتوق إلى الانتصار، يكون تحرره من القهر الاجتماعي قريبا.

التناقضات الهدامة

ما زال الغرب هو الذي ينتج المفاهيم ونحن نشرحها. ما زال الغرب يزهو عليها بأنه وحده القادر على التنظير المباشر للواقع وإنتاج المفاهيم والنظريات، في حين أننا ما زلنا نعتمد على النصوص القديمة كحجة سلطة نفسر بها أوضاع العالم، وتحدد لنا موجهات السلوك. ما زلنا نعتمد على الأيديولوجيات الجاهزة، الإسلامية أو القومية أو الليبرالية أو الماركسية، لتفسر لنا العالم، وتحدد لنا اتجاهات التحرك فيه.

فقد أنتجت أمريكة مفهوم «الفوضى الخلاقة»، وتعني بها تفجير التناقضات في الوطن العربي والعالم الإسلامي بحيث يتفتت الكل، ويصبح كل جزء نقيض كل جزء كما هو الحال في القنابل العنقودية، فتتناثر الأجزاء وتتباعد بعد أن يصطدم بعضها بالبعض الآخر في اتجاهات عشوائية لا يمكن ضبطها مهما بلغت ضربات العصا للاعب الماهر، ويتحول الجسد العربي الإسلامي إلى شظايا يصعب جمعها من جديد في جسد واحد بعد أن تبتلع القوى النشطة في المنطقة، مثل إيران أو تركية أو إسرائيل، بعضا منها إلى غير رجعة، كما ابتلعت القوى الكبرى ممتلكات الدولة العثمانية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وابتلعت روسية القيصرية في القرن التاسع عشر، ثم روسية الاشتراكية للجمهوريات الإسلامية في أواسط آسيا بعد ثورة أكتوبر 1917م. وما زالت ظواهر التفتيت والتقسيم للإمبراطورية العثمانية قائما.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٩